الثلاثاء، 7 أبريل 2020

محاكمة كتاب أنسلم أسقف كانتربري- ج13



الجزء الثاني
فصل (10): يشرح أنسلم كيف أن هذا الفادي لا ”وجود للإثم فيه“ وبالتالي ”لا يتحتم عليه الموت“. لكن لازم يكون قابل للموت، لكن لازم ”ألا يموت عن اضطرار“ ولا يموت بموجب ”الحكم القضائى لأنه لم يخطئ البتة“.
فصل (11): بيسأل بوزو: هل أنه قابل للموت ومشاركته لضعفاتنا يعني أنه شقي، فبيرد أنسلم أنه لا مش شقي وبائس لأنه لم يجبر على ذلك.
فصل (12): يسأل بوزو: هل يمكن لهذا الفادي أن يكون جاهلاً كبقية ضعفاتنا.. فيرد أنسلم: ”الجهل يضر به من جهات كثيرة.. لأنه كيف.. يقوم بالأعمال العظيمة بدون الحكمة الكاملة.. وكيف يصدقه الناس إن علموا أنه به جهلاً..“ واضح أن أنسلم بيرفض تمامًا فكرة جهل الأبن.
فصل (13): جزء مفقود في الكتاب.. ولكن بالرجوع إلى الترجمة الإنجليزية، كان أنسلم يشرح كيف أن حياة الفادي أعظم من كل خطايا الآنام كلهم.. فيقول تحديدًا: ”ترى الآن واضحًا كيف أن تلك الحياة تعلو وتكفر عن جميع الخطايا إذا أعطيت كفارة عنها“.
فصل (14): حياة المسيح الصالحة كافية لتمحو خطايا حتى صالبيه الذين فعلوا هذا عن جهل.. ولو عرفوا لما صلبوا رب المجد (1كو 2: 8).

التعليق:
أولاً فكرة وجود حكم قضائي بالموت كنتيجة للسقوط ده مش غريب نهائيًا عن كتابات الآباء. سنجد مثلاً ق كيرلس الأورشليمي يقول ”لأننا كنا أعداء لله بسبب الخطية، وكان الله قد حكم بموت الخاطئ. لذلك كان أمرٌ من اثنين ضروريًا، إما أن الله في حقه يهلك كل البشر، أو في عطفه ومحبته يبطل الحكم. لكن انظر حكمة الله: لقد صان حقه في الحكم، وأظهر عطفه ومحبته. أخذ يسوع خطايانا "في جسده على الخشبه" لكيما بعد أن نموت عن الخطية بموته نحيا للبر“.[1] لاحظ هنا إن النص السابق بيقول إننا كنا في حالة عداوة مع الله بعج السقوط، وبالتأكيد العداوة بسببنا. لكن كرد على فكرة أنه استحالة حد يقول كده من الأباء. لأ. ده منطقي جدًا وإلا لا معنى ”للمصالحة“ اللي حصلت في الفداء. الحاجة التانية الوصف بتاع ”حكم الموت“.. وهي لغة قضائية بكل تأكيد.
ق أثناسيوس في تجسد الكلمة 9 بيقول إنه لما الكلمة أدرك أنه لا سبيل سوى الموت نيابة عن الجميع ”اتخذ جسدًا قابلاً للموت“. وفي فصل 20 بيقول الآتي ”لما كان من الواجب وفاء الدين المستحق على الجميع.. إذ كان الجميع مستحقين الموت.. قدم ذبيحته عن الجميع“. وبيرجع يقول إن الموت كان حتميًا.. ”وكان لابد أن يتم الموت نيابة عن الجميع لكي يوفي الدين المستحق على الجميع“.[2] زي ما شرحنا قبل كده الحتمية هنا مش قيد أو ضرورة على الله، لكنك حتمي لأن هذا مشيئته.
نيجي لنقطة مهمة بيشرح فيها أنسلم أن حياة المسيح تقدر تكفر عن خطايا كل البشر. وأنا هاستخدم قول لما إفرام بيربط فيها اللغة الذبائحية.. وأن الذبيحة تموت من أجل مقدمها، وليس كما يقول د هاني مينا ميخائيل في فيدوهاته أن الذبائح عن خطايا السهو، ويقول إنه مفيش ذبيحة تموت نيابة عن حد. ما إفرام هنا بيأكد إن الذبائح في العهد القديم تعني حياة عوض حياة. والحياة في الدم.. وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة.. يقول الآتي:
لقد حقق الرب عند بني إسرائيل أن هرق الدم يكون لهم إشارة إلى دم إلهي محيي، الذي بهرقه وجب الغفران لكل من يتوب على يده، لكونه دم إله متجسد يمكن هرقه فيجري ويخلص من الموت كل من يستحق الموت. لأن دم الإله الذي لا يثمن بثمن البته قادر أن يفدي الخلق .. لأن الله قال: إن كل نفس تخطئ تستحق الموت. فمن أراد لها الغفران والخلاص من الموت، فليقتل نفسًا عوضًا عنها. ومن البيِّن أن نفس حيوان غير ناطق إذا قتلت، لا تساوي نفس إنسان ناطق فتفديه، بل الله أمر بذلك في التوراة، إشارة ورمزًا إلى نفس الإله المتأنس التي أسلمها بإرادته للموت فداءً عن كل نفس تستحق الموت...“[3] يذكر ما إفرام صراحة قتل نفس عوض عن نفس.. ودم ابن الله عن كل نفس تستحق الموت. يُتبع  


[1] ق كيرلس الأورشليمي، العظات (لطالبي العماد)، سلسلة اقدم النصوص المسيحية، العظة 13، صفحة 237.
[2]  تجسد الكلمة، ص 62.
[3]  حاشية عن مار إفرام السرياني في تفسير لاويين- حاشية رقم 3 في الجلافيرا ج2 صفحة 286.

محاكمة كتاب أنسلم أسقف كانتربري- ج12



الجزء الثاني
فصل (8): بيقول منين يجيب الله الطبيعة البشرية دي.. لو من خليقة جديدة غير آدم.. مش هتبقى منتسبة ليه، وبالتالي ليس عليه أنه يوفي دين حد. يبقى لازم يكون من ”جنسية الخاطئ“. ثم هل يأخذ هذه الطبيعة نتيجة تناسل طبيعي؟ ولا من رجل فقط؟ ولا من امرأة فقط؟ فيجيب أنسلم أن من رجل فقط أو امرأة فقط، هيبقى ”أطهر وأذكى“ من ولادته من اقتران رجل وامرأة زي بقية البشر. وربنا قبل كده خلق إنسان من غير رجل ولا امرأة (آدم)، وخلق من رجل بلا امرأة (حواء)، وبيخلق من رجل وامرأة (الناس كلها)، يبقى مفيش غير أنه يخلق من امرأة من غير رجل علشان يظهر كمال سلطانه.. وده اللي حصل مع المسيح. وبالنسبة لمسألة هل من عذراء أم ثيب (امرأة متزوجة). فأنسلم بيستخدم مرة أخرى التوازي: ”كما أن خطية الإنسان وعلة دينونتنا قد نشأتا من امرأة هكذا وجب أن دواء الخطية وسبب خلاصنا يولد من امرأة أيضًا. وكذلك لما كانت الأنثى التي صنعها الله من رجل بلا امرأة مأخوذة من رجل بكر (عزب) قد لاق أن يكون الإنسان المصنوع من امراة بلا رجل مولودًا من امرأة بكر“.   
فصل (9): بيقول أنسلم لازم الفادي الإلهي/الإنساني ده كمان ميموتش موت اضطراري. ثم يناقش فكرة هل يمكن أن يخطئ. وليه بيقول كده لأنه لو لم يمكنه أن يخطئ يكون بار بالاضطرار وليس بار بالاختيار.. فلا يستحق الحمد على بره. أنسلم بيقول ده بره الذاتي ولا يستطيع أن يخطئ. بيقوله بوزو: طب ليه مخلقش ربنا ملايكة وبشر لا يستطيعون أن يخطئوا؟ سؤال شائع جدًا. والإجابة أنه يستحيل لأنهم هيكونوا في هذه الحالة آلهة.

التعليق:
أنسلم عاوز يثبت أن ربنا ممكن يخلق بكل الطرق.. فشاف أنه كان لسه مخلقش إنسان من غير رجل.. فأظهر سلطانه. برضو بيبتكر التوازي بين بكورية آدم اللي خلق منه حواء.. وبكورية العذراء اللي خلق منها ناسوت المسيح. دي جديدة بالنظر إلى ق إيريناؤس اللي عمل توازي بين بكورية الأرض/ التراب البكر اللي خلق منه آدم، وبكورية العذراء. كان في نقاش حوالين هل كان بإمكان المسيح أنه يغلط.. بدون الدخول في تفاصيل هدف أنسلم أن يكون موت المسيح اختياري وليس اضطراري حتى تكون تقدمته مقبولة لدى الآب. يُتبع

محاكمة كتاب أنسلم أسقف كانتربري- ج11



الجزء الثاني
فصل (5): بوزو بيقول أنا حاسس كأن الله مجبر على تخليص الإنسان؛ وده لا يليق بالله. وبالتالي ممكن نقول إنه بيعمل كده لأجل نفسه أكتر ما بيعمل كده لأجلنا. وبالتالي إيه الشكر اللي لازم أقدمه لو عمل كده لنفسه، وإزاي أقول أنه خلصنا بنعمته لو كان في ضرورة عليه أنه يعمل كده؟
يرد أنسلم كالآتي: ”بالأحرى ننسب كل ذلك إلى نعمته لأنه شرع فيه من أجلنا وليس من أجل ذاته“، لأنه ليس بحاجة إلى الإنسان.. وما كان خافيًا عليه ما سيحدث لكنه ”التزم على نوع ما، بفضله ورضاه، أن يقوم بالخير الذي بدأ به. وبالإجمال أن المولى سبحانه لا يفعل شيئًا عن ضرورة لأنه لا يُجبر قطعًا.. وعندما نقول أن الله يعمل شيئًا بالضرورة اجتنابًا لعدم اللياقة.. يجب أن نفهم أنه يفعله حرصًا منه على كماله غير المتغير الذي له من ذاته“. فهذه ضرورة على خلاف الأصل.. وكل شيء بيعمله هو نعمة منه.
فصل (6): يصل أنسلم إلى ضرورة أن مَن يقوم بالإيفاء هو إله وإنسان معًا.
فصل (7): يؤكد أن الاتحاد بين اللاهوت والناسوت في شخص المخلص ليس بالامتزاج او الاختلاط أو التبديل.. ولو حصل كده مش هينفع يكون المخلص. وفي نفس الوقت لو مفيش اتحاد ”لا يتسنى للاثنين أن يقوما بالعمل الواجب عمله؛ إذ أن الإله لا يعمله لعدم وجوبه عليه، والإنسان لا يعمله لعدم استطاعته عليه“.

التعليق:
الفصل (5) من الجزء الثاني مهم جدًا لأنه بيجاوب على اعتراض شهير على أنسلم كأنه بيقول إن كل اللي يهم ربنا هو استرداد كرامته المهانة.. وكأنه مجبور يحل مشكلة عنده هو مش عند الإنسان. كل الكلام ده غير صحيح، وواضح جدًا في كلام أنسلم إن الله غير خاضع لأي ضرورة سوى مشيئته.. لما بنقول لا يليق بالله أنه كان يسيب الإنسان يهلك.. عدم اللياقة ده لا يعني إن الله مجبر.. وفي جملة مهمة لازم نعرفها هي أنه لا وجود لضرورة سابقة على مشيئة الله. بل الأمر يصبح ضروريًا بعد أن يشاء الله فعله.
كمان أنسلم بيقول ده كله بسبب نعمته.. ومن أجلنا إحنا.. نفس الشيء قاله ق أثناسيوس في تجسد الكلمة ”لكي تعلم أن نزوله إلينا كان بسببنا، وأن عصياننا استدعى تعطف الكلمة، بحيث أن الكلمة أسرع لمعونتنا وظهر بين البشر، لأنه في تجسده كنا نحن المقصودين، ولخلاصنا أظهر حبه إلى الحد الذي ظهر وولد في جسد بشري(تجسد الكلمة 4: 2، 3). عند أنسلم وأثناسيوس نحن المقصودين من الخلاص وليس الله بأي حال من الأحوال.
أخيرًا اهتمام أنسلم بفكرة الاتحاد الأقنومي بين الناسوت واللاهوت كضرورة للخلاص، من ناحية لأن الله عمل الفداء لا يخصه هو، ومن ناحية لأن البشر عاجزين عن تخليص أنفسهم.

محاكمة كتاب أنسلم أسقف كانتربري- ج10



الجزء الثاني
فصل (1): يشرح أنسلم أن الله أودع في الإنسان العقل وقوة التمييز حتى ”يحب الخير الأعظم لذاته“ لا لغرض ما.. وخلقت مستقيمة upright حتى تريد ذلك..
فصل (2): بناء على اللي فات بيستنتتج أنسلم أن الإنسان لم يُخلق لكي يموت.. وإلا ده كان مغاير لعدالة الله. وبالتالي لو لم يخطئ لما عرف الموت أبدًا.
فصل (3): وبالتالي تجديد الإنسان معناه إعادته للحالة الأولى- عدم الموت- وهو ده قيامة الأموات. و”لو لم يخطئ لتحول إلى المجد بنفس الجسد“. هنا بيسأل بوزو: إزاي يقوم الإنسان بنفس جسده بعدما انحلت عناصر جسده وتفرقت وصارت أجزاء من البهائم التي يأكلها الناس. 
فيرد أنسلم: اللي خلقها من العدم يقدر يجمعها بعد الانحلال. ويلجأ لكلام بولس في 1كو 15 عن العلاقة بين جسدنا الفاسد الذي يجب أن يلبس عدم الفساد، وبالتالي يوكد العلاقة بين الجسدين.
فصل (4): بيقول أنسلم إن الإنسان أكرم خليقة الله وبالتالي لا يمكن أن يُصدق أنه يتركه يهلك. لازم يتمم ربنا ما بدأه من نحو الخليقة. بالايفاء عن الخطية.. الأمر اللي الإنسان عاجز أن يحققه بنفسه.

التعليق:
ق أثناسيوس في تجسد الكلمة قال: إنه لو حفظ الإنسان الوصية ولم يخطئ ”فإنهم سيعيشون في الفردوس بغير حزن ولا ألم ولا هَم، بالإضافة إلى وعد بالخلود في السماء“ (تجسد الكلمة 3: 4). أنسلم بيتفق مع ق أثناسيوس في أن مفيش حاجة اسمها ”التجسد غير المشروط“ وأنه كده كده كان هيتجسد حتى لو لم يخطئ. لأن أثناسيوس وأنسلم كانوا شايفين إن آدم كان مجهز بكل الإمكانيات اللي توصله للخلود في السماء أو للاتحاد بالله إذا سارت الأمور بشكل طبيعي ولم يخطئ. طبعًا في حد هيقولك: كأنك بتقول إن آدم كان لازم يغلط علشان يجي المخلص، وهل أعمال الله مقيدة بفعل عارض زي السقوط. أنا هرد عليك بأن أعمال الله معلومة ليه منذ الأزل.. وهو لا يفاجئ بشيء وليس لديه خطة (ب). لكن فكرة التجسد غير المشروط بتضع شرط برضه لربنا.. ألا وهو أنه كان لازم آدم يتخلق علشان يجي المخلص!! وأكيد ربنا مش هيبقى مشروط بالخلق، لأننا عارفين إن الخلق والفداء عمل من أعمال المبادرة الإلهية.
 كذلك ق أمبروسوس في كتابه ”سر تجسد الرب“ وفي سياق رده على هرطقة بتقول إن جسد المسيح من نفس طبيعة اللوغوس.. قدّم آيات تؤكد إن الجسد من مريم -وبيشرح إن المسيح قدّم (جسده ذبيحة)- ولم يقدّم لاهوته ذبيحة؛ لأن اللاهوت لم يخطئوبيقول كده: ”إنه قدّم التقدمة مما يخصنا. وإلا ما السبب في تجسده إذا لم يُفدى الجسد الذي أخطأ بواسطة المسيح؟“ (فقرة 78). كمان أن المترجم بيدعم نفس الفكرة باقتباس من ق. أثناسيوس في رسالته إبيكتيتوس: ”لم يأتِ اللاهوت لمساعدة نفسه حتى يلبس ما هو من نفس جوهره، كما أن الكلمة لا يخطئ في شيء وهو يفتدي خطايا الآخرين، حتى يصير جسدًا ويقدّم ذاته ذبيحة لأجل نفسه ويفتدي نفسه .[1] الحقيقة الاقتباسين دول بيأكدوا إنه مفيش حاجة اسمها ”التجسُّد غير المشروط  على الأقل عند أثناسيوس وأمبروسيوس! اللاهوت لم يقدم ذبيحة لنفسه.. الذبيحة هي جسد اللوغوس لأن الجسد هو اللي أخطأ. فماذا لو لم يخطىء آدم؟ الإجابة: لن يقدّم اللاهوت أي ذبيحة؛ لأنه لم يخطئ! هذه حُجة أمبروسيوس وأثناسيوس.
في نقطة أخرى أنسلم بيتعرض ليها تخص قيامة الجسد فديها هنلاقيه عند أثيناغوراس اللي أكد أن ربنا عنده قدرة كافية لقيامة الأجساد. وزي ما خلقها من العدم يقدر يقومها بنفس السهولة.نفس القوة (الخالقة) يمكنها أن توحد ما قد تحلل“.[2] حتى لو حصل ما يُسمى ب chain consumption وأن الأجساد المتحلة التهمتها حيوانات معينة ثم أكلت الحيوانات دي حيوانات تانية .. أو تحللت للعناصر الأولى.


[1] ق أمبروسيوس، سر تجسد الرب، ترجمة د جورج عوض، المركز الأرثوذكسي، صفحة 79 وحاشية رقم 1.
[2]  أثيناغوراس وبنتينوس، ترجمة فيلوباترون، صفحة 110.

محاكمة كتاب أنسلم أسقف كانتربري- ج9



الجزء الأول
فصل (20): مَن لا يسدد الدين يوصف بأنه متمرد.. فكم وكم مَن يتمرد على الله. يشرح أنسلم كيف فقد الإنسان المقدرة على إطاعة الله والعجز بسبب ما وصل إليه.. فيسأل بوزو: الإنسان أصبح عاجزًا عن الإيفاء فلماذا لا يعفي الله عنه.. يرد أنسلم: ”في هذه الحالة تكون رحمة الله مغايرة لعدالته“. ولنفترض أن الله هيعفو عن العاجز.. طب ليه الإنسان مش هيوفي الدين اللي عليه لله (طاعة الله وإكرامه) هل لأنه مش قادر؟ ولا هل لأنه مش عايز؟ فلو عاوز ومش قادر يبقى عاجز، لكن لو قادر ومش عاوز فهو مجرم (أو عاصي). وفي كلا الحالتين هيكون مش سعيد.. بوزو: قاله لكن لو الله عامله بعدله وهو عاجز يبطل فعل الرحمة.. قاله أنسلم أن عارف أن ربنا بيخلص البشر والحيوانات بحسب عظمة رحمته.. لكن أنا بتكلم عن ”رحمة الآخرة“ اللي ينال بيها الإنسان السعادة الأبدية.. ودي لازم تُعطى لمن يُغفر لهم بعد قضاء الدين المترتب على الخطية.
فصل (21): يصل أنسلم إلى فكرة ضرورة أن يخلص الله الإنسان ”لئلا يكون الإنسان قد خُلق للشقاء، أو أنه جلت قدرته عجز عن أن يجيء به إلى السعادة، أو ندم على العمل الذي شرع فيه“. وبالتالي اقتضى الحال ضرورة إيفاء الدين. (وبذلك ينتهي الجزء الأول من كتاب أنسلم)

 التعليق:
وصلنا لفكرة إن الإنسان عاجز عن إيفاء الدين.. وأنسلم بيقول مينفعش يغفرله ويرحمه فقط كده لأن ده هيخلي في تناقض بين رحمة الله وعدله. عاوز أقول هنا إن فكرة التوازن والتعادل بين رحمة ربنا وعدله دي فكرة well-established  بسبب اشتباك الآباء مع بدعة ماركيون في القرن الثاني، اللي نادى بإلهين: إله العهد القديم وسماه الديان أو العادل، وإله العهد الجديد اللي سماه الرحيم والطيب. من أشهر الآباء اللي رضوا على ماركيون: ترتليان، إكليمندس السكندري، أوريجانوس، إيريناؤس.
ق إكليمندس بيجاوب على السؤال الشهير هل هناك تعارض بين صلاح الله وعدله؟“ عندما يقول: ”انظر كيف يكون عدل المعلم حين يستخدم التوبيخات، وكيف يظهر صلاح الله عندما يستخدم الرأفات.. لذلك فإن داود، بالروح القدس، جمع بينهما: العدل والحق قاعدة كرسيك. الرحمة والأمانة تتقدمان أمام وجهك. ثم يقول إنه من صلاحيات نفس القوة أن تدين وتصنع الخير. لأن لها قدرة على الاثنين.. والدينونة تفرز ما هو عدل عما هو نقيضه.. والله هو بحق عادل وصالح. ثم يقول عبارة بليغة: ”إن الله عادل لأنه صالحوبالإنجليزي (He is just because he is good).[1]
البعض بيلجأ لمثل الابن الضال مثلاً ويقول فين العدل هنا.. مفيش غير حب. أو فين العدل في مثل زي مثل الفعلة وأصحاب الساعة الثانية عشر. هنا أحب أقول: زي ما في أمثال بتركز على الرحمة وصلاح الله (زي مثل الابن الضال) في أمثال تانية بتركز على عدل الله ودينونته (العذارى الحكيمات والجاهلات، ومثل عرس ابن الملك اللي اتقال فيه للشخص اللي مكنش عليه لباس العرس: ارْبُطُوا رِجْلَيْهِ وَيَدَيْهِ، وَخُذُوهُ وَاطْرَحُوهُ فِي الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِهُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ مت 22: 13 وبالتالي يحق بنفس المنطق إني أقول فين الرحمة هنا؟!)
وبالتالي الخروج باستنتاج ان التركيز على الرحمة معناه إلغاء العدل.. دي طريقة مش تمام في تفسير الكتاب. في المقابل ليس المقصود من الكلام عن الأعمال أننا نمجد استحقاقنا كبشر لنعمة وعطية الله.. اللي هي أساس وجودنا في الحياة بالأساس. دي كمان طريقة مش تمام في فهم فكر الكتاب المقدس. الواضح في المثل إن ربنا أعطى اصحاب الساعة الأولى حقهم.. ”يَا صَاحِبُ، مَا ظَلَمْتُكَ! أَمَا اتَّفَقْتَ مَعِي عَلَى دِينَارٍ؟“، وبالتالي تذمرهم لا يُبنى على أنه حصل انتهاك للعدالة.. ولكن يُفسر على أنه طمع أكتر في كرم السيد صاحب الكرم. وهذا ما قاله صاحب الكرم نفسه: ”أَوَ مَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَفْعَلَ مَا أُرِيدُ بِمَا لِي؟ أَمْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةٌ (حسودة) لأَنِّي أَنَا صَالِحٌ؟ المثل فعلاً فيه تركيز على نعمة ربنا... وعند الكلام عن النعمة مينفعش نتكلم عن النسبة والتناسب بمفهموم ”عين بعين وسن بسن“. في النهاية إحنا هنروح السما ومفيش كمية من الأعمال الصالحة اللي توازي أو تعادل من حيث القيمة هذه العطية.
لكن خلي بالك أنا قريت جملة خطيرة جدًا هي:
  (disproportion does not equal absence of proportion).
 فيما معناه أن عدم التساوي في النسبة لا يعني غياب التناسب من حيث المبدأ.. ده واضح في كلام المسيح لبطرس لما قاله تركنا كل شيء وتبعناك.. قاله تاخد مية ضعف هنا وفي الآتي. واضح إن العطية كبيرة جدًا بما لا يقارن بالتضحيات اللي عملها بطرس. لكن هذا لا يعني ان بطرس لم يضحي بأي شيء! نفس الشيء دخول السما.. منقدرش نشتريه بأعمالنا.. وهو نعمة من ربنا.. لكن ده مبيلغيش الأعمال.. والأكثر من كده أن نجم يمتاز عن نجم في المجد.. أكيد الفوارق دي مبنية على اساس مش ضربة حظ. وإلا في المقابل هيكون ربنا معندوش أي معايير للي يكللهم بالكرامة.. لكن الكتاب بيتكلم عن الجهاد القانوني.. وبولس بيتكلم عن السعي وتكميل الإيمان.. وتمموا خلاصكم بخوف ورعدة.. وبالتالي في تفاسير رابينية بتقول: إن عدل الله مش عكس رحمته.. عدل الله ده عكس فكرة أنه يكون إله نزوي معندوش معايير.

(Justice is not the opposite of mercy.... Justice, rather, is the opposite of caprice.)
وفي فرق إنك تقول ”هذا أعظم جدًا مما استحق يارب“، وانك تقول ”أوكيه، طالما الموضوع معتمد على النعمة وليس الاستحقاق.. فلن أفعل شيء.. طالما في النهاية سأحصل على أجرة متساوية للجميع. في النهاية صاحب الكرم مرحش وزع فلوس في السوق.. وقالهم خليكوا هنا وهاديكم من نعمتي.. بل الجميع ذهبوا واشتغلوا حته ولو بدرجات متفاوتة. وبالتالي المثل أنا شايفه بيصالح بين عدل ربنا ورحمته.. وأن عطية النعمة تبدأ بعد أن يتحقق العدل.
الحاجة التانية في الجزء ده من كتاب أنسلم هي شيء شبيه بما يُسمى بالمعضلة الإلهية- وهي ليست بمعضلة- divine dilemma والتي عبر عنها آباء كثيرون مثل أثناسيوس (تجسد الكلمة 6: 8): لو كان الله خلقه وصار في الفساد والفناء ”لكان هذا ضعفًا مما لو أنه لم يخلقه أصلا“. لكن لأن اهتمام أنسلم مختلف: فكأنه يقول من غير اللائق بالنسبة لله أن يترك الإنسان للشقاء. بالنسبة لأثناسيوس ده معناه: فناء بناء الله، وبالنسبة لأنسلم: هذا شقاء لبناء الله. وكلاهما صحيح.

الاثنين، 6 أبريل 2020

محاكمة كتاب أنسلم أسقف كانتربري- ج8



الجزء الأول
فصل (17): أنسلم بيتكلم عن فداحة الخطية.. فلو أنت في محضر الله وواحد قالك بص الناحية دي وربنا قالك لأ متبوصش.. هل في حاجة في الدنيا كلها تضطرك تلقي النظرة دي ضد إرادة ربنا.. بوزو: مفيش داعي لكده خالص. لكن مش يمكن لما أبوص يكون في جانب معين متوافق مع إرادة الله.. أنسلم: الكلام ده عند الإنسان لأن معرفته محدودة؛ لكن الله كلي المعرفة يعرف كويس هو بيقول إيه.. وبالتالي أي فعل متعمد ضد إرادة ربنا يعتبر خطأ جسيم جدًا.. فقاله: ده الواحد على كده حياته مهددة بالهلاك!
فصل (18): بيحكي على أن الإنسان الأول كان عنده من الإمكانيات أنه يغلب إغواء إبليس.. فلما استسلم ”غير مسوق بقوة إجبارية.. فغُلب منه مستهينًا بمشيئة الله وكرامته“. وأنه لما يغلب إبليس ده إكرام لله، ولما يتغلب من إبليس فده إهانة لله. 
فصل (19): يصل أنسلم إلى استنتاج أن الإنسان هيفي ما عليه لله لكن بعد أن يغلب له إبليس ويسترجع منه ما سلبه (الإنسان) علشان يقدر يغلبه .. لأنه كما أن الإنسان لما انغلب سرق الشيطان ما لله، وفقد الله ما له، كذلك لما يغلب الله الشيطان يخسر اللي سبق فاختلسه ويسترد الله ما سبق وفقده.
ثم يرجع فيقول: ”كما كان الفقدان بواسطة الإنسان كذلك الاسترداد يكون بواسطة الإنسان. وهذا لا يكون أبدًا (مستحيل)؛ لأنه إن كان بالإنسان المغلوب قد فسدت الطبيعة البشرية واختمرت بالخطية لزم هكذا بالغالب أن يتبرر كثيرون... وهذا لا يمكن الإنسان الخاطئ أن يأتيه قطعًا إذ أن الخاطئ لا يستطيع أن يبرر الخاطئ“.

التعليق:
يمكننا الرجوع لمناقشة ق باسليوس عن إكرام الله وإهانته بسبب خطيتنا في التدرونة رقم 4 من هذه السلسلة. هنا أنسلم في كلامه بيأكد أن الإنسان لازم يغلب إبليس لكن مش استطاعته كده.. ده هو أصل المشكلة. مرة كمان يظهر من كلام أنسلم أن الخلاص لحل مشكلة عند الإنسان وليس لحل مشكلة عند الله، كما يقول البعض. فكرة إن الإنسان لازم يحارب وينتصر.. هنلاقيها عند ق ساويرس الأنطاكي: ”عندما أراد الله.. أن يرجع من سقط إلى رتبته.. لم يفعل ذلك مستخدمًا القوة العليا مستخدمًا القدرة الإلهية. ولكنه على العكس تمشيًا مع كلمة العدل، جعل الذي سقط يحارب ثانية في المعركة... وكان من الضروري للإنسان أن ينال إكليل النصرة على الشيطان الذي سبق وخدعه وهزمه“.[1]  
النص ده في حاجات مهمة جدًا: 1- عجز الإنسان عن تخليص نفسه. 2- السبب في كده هو فساد طبيعة الإنسان.. أليس هذا ما ركز عليه الآباء الشرقيون.. فأثناسيوس قال إن التوبة لا تفيد لأن طبيعة الإنسان فسدت (تجسد الكلمة 7)، وأنسلم قال التوبة لا تفيد لأن الإنسان مديون بها لله أصلاً ولأن طبيعته فسدت واختمرت بالخطية. صحيح كان تركيز أنسلم أكثر عن حالة المديونية لكن من حين لآخر نجد تعبيرات عن فساد الطبيعة واختمارها بالخطية. يُتبع


[1] Severus of Antioch, La Polémique, I, pp. 36f. (ورد في تدبير ملء اللأزمنة، د عماد موريس، بناريون، ص 151-152).

محاكمة كتاب أنسلم أسقف كانتربري- ج7



الجزء الأول
فصل (15): بيقول أنسلم أن الله خلق الإنسان للسعادة وكان بيحفظه في إيده، زي إنسان ماسك لؤلؤة جميلة، لكن الحسود إبليس ألقى الإنسان (اللؤلؤة) في الحمأة- برضى من الإنسان- ومكنش ينفع يمنعه، لأن الإنسان لازم يُمتحن. لو أرجعه الله إلى الفردوس ملطخًا بل تطهير، أي بدون استيفاء عن الخطية، هيعمل زي صاحب اللؤلؤة اللي خباها وهي ملطخة بالطين في خزانته.
بوزو: قال لا يمكن الله يدخل الإنسان ملكوته وهو غير طاهر.. فرد أنسلم بأنه لابد من إيفاء الدين اختياريًا علشان مينفعش الصفح عن الخطية بلا عقاب..  راح بوزو قال: ليه بينفع نقول لربنا دلوقت أغفر لنا ذنوبنا.. من غير إيفاء؟ فقاله نأجل السؤال ده حتى تفهم لماذا مات المسيح.
فصل (16): يتحدث أنسلم في هذا الفصل على أن الإيفاء يجب أن يكون متناسبًا مع قدر الخطية. بوزو قاله إحنا بنقدم توبة وانسحاق قلب وتواضع وصوم وعطاء وطاعة.. مش كفاية؟ فقاله أنسلم كل الحاجات دي أصلا واجب عليك.. أنت حتى لو مغلتطش لازن تتشوق وتتضرع من أجل بلوغ الغاية، وتحزن على تباطؤك في الحصول عليها، والعطاء ده دين عليك أيضًا لأنك مش بتدي من نفسك.. ”أنت مدين لله بكل كيانك وكل مقتناك وكل إمكانك“.
بوزو: خلاص لو أنا مديون بكل كياني وقدرتي لله فليس لي ما أرد عن أثمي.

التعليق:
هنا يؤكد أنسلم عكس ما يقوله د مينا ميخائيل مثلاً في فيديوهاته بأن الشرقيين هما بس اللي قالوا إن الموت دخل بواسطة الإنسان والشيطان، بينما الغربيين قالوا إن الموت الأبدي الله هو اللي أدخله الى العالم. أنسلم أهو بيقول زي ما بنقول في القداس الباسيلي ”ولما دخل الموت بحسد إبليس“، أو الآية الشهيرة من سفر الحكمة ”إِنَّ اللهَ خَلَقَ الإِنْسَانَ خَالِدًا، وَصَنَعَهُ عَلَى صُورَةِ ذَاتِهِ، لكِنْ بِحَسَدِ إِبْلِيسَ دَخَلَ الْمَوْتُ إِلَى الْعَالَمِ، فَيَذُوقُهُ الَّذِينَ هُمْ مِنْ حِزْبِهِ(حك2: 23- 25). عمري ما شوفت حد بيقول إن الله هو اللي أدخل الموت للعامل باعتباره العلة الأولى، لكن لا أحد عاقل ينكر أن الإنسان هو الجاني والمسؤول الأول عن إدخال الموت، أما دور الله في المسألة دي أنه نفذ ما سبق وأن أتفق عليه مع الإنسان ”يوم تأكل منها موتًا تموت“، وصار في حالة مدينوية لله، كما يقول ذهبي الفم وكتب الصك هلى نفسه، أو في حالة حكم بالدينونة. وده حق الله في أنه ديان، ومن ينكر حق الله في أنه يدين، هو مناصر لبدعة ماركيون. أكد على ذلك ق إكليمندس السكندري في المربي، وق إيريناؤس في ضد الهرطقات حين يقول ”من هو صالح (أي الله)، إن لم يكن له سلطان قضائي، سيصبح.. محروم من صفة الإلوهية“.[1]  
الحاجة التانية اللي عاوز أشير ليها هي أن أنسلم برضو عنده منظور أشمل للخلاص، مش مجرد مشكلة عند الإنسان وربنا بيحلهاله، في الفصل 15، 16 بيتكلم عن غاية، إن الإنسان خلق للسعادةـ، وفي الفصل الأول في الجزء الثاني بيتكلم أن الإنسان خلق ليكون سعيدًا بالتمتع مع الله. نفس الشيء يؤكده ق أثناسيوس عن أن الله خلق الإنسان على صورته علشان يعرف الآب وبالتالي ”يحيا حياة حقيقية سعيدة مغبوطة“ (تجسد الكلمة 11: 3)، وكذلك قال إن لو الإنسان حفظ الوصية لعاش في الفردوس بلا حزن ولا ألم ولا هَم (تجسد الكلمة 3: 4). يُتبع  


[1] إيريناؤس، ضد الهرطقات، ج 2، الكتاب الثالث، فصل 25، ترجمة د نصحي عبد الشهيد، صفحة 120.