الاثنين، 6 أبريل 2020

محاكمة كتاب أنسلم أسقف كانتربري- ج6



الجزء الأول
فصل (12): بيقول أنسلم أن أصعب شيء أن يسلب المخلوق حق الخالق في الإكرام.. وأن الله أهم شيء بالنسبة له أن ”يصون ويحافظ على كرامة مقامه“. وبالتالي مش هينفع يسمح بحدوث هذا السلب من غير ما يسترد المسلوب أو يعاقب السالب. يا إمّا يسترد كرامته الممتهنة أو ينفذ العقاب. وإلا تختل عدالة الله وقدرته.
فصل (13): يسأله المحاور: ”وهل قصاص الخاطئ يعود بالإكرام على الله؟“ فيرد أنسلم: بأنه من المستحيل أن الله ميردوش حقه المسلوب؛ وأن الخاطي سيرد ما عليه ”طوعًا أو قسرًا“؛ سيخضعه الله ”اختيارًا أو اضطرارًا“ حتى يثبت الله ما له من ”حق السيادة“. صحيح الله مش هينتفع بما ينتزعه من الإنسان، لكن ”الله يستخدم هذا المنتزع لكرامته ومجده بمجرد الانتزاع فقط، وبذلك يثبت أن العبد وما ملكت يداه في قبضة مولاه“.
فصل (14): يسأله المحاور: إن كان محتمًا إن الله يصون كرامته.. فكيف يحتمل أن يلحق به شيء من الأذى أصلاً.. كده أنت بتقول إن الله عرضه للإيذاء أصلاً.. أنسلم يجيب بعبارة واضحة ”لا يمكن أن يعتري كرامة الله نقص أو تطرأ عليه زيادة من حيث هي. لأن جوهر تلك الكرامة غير قابل للفساد ولا التغيير البتة“، ويبين بشكل واضح ما يعنيه بإكرام الله- أي أن تسير الخليقة في السُّنة الموضوعة لها.. يعني لما الطبيعة العاقلة بالأخص تقوم بواجباتها مش هتدي ربنا حاجة؛ لكن لأنها تطيع إرادة الله طواعية، وتحافظ على ما يخصها ”من المقام والنظام في عالم الأشياء وعلى جمال هذا الكون المنظور“. ثم يعود ويؤكد أنسلم أن النفس حين لا تطيع الله فهي ”تشوش وتشوه نظام الوجود وجماله على قدر إمكانها وإن تكن لا تمس عظمة الله ولا تحط من مقامه“.
لكن أنسلم يقول مفيش حد يقدر يهرب من إرادة ربنا.. لو هرب من ”الإرادة الآمرة تستقبله الإرادة الناقمة“. الشر بيحاول يخل بنظام الكون، ولو مفيش إيفاء أو عقوبة عن الشر ”لنشأت في وجه جمال الكون الذي يديره الله عاهات شائنة“. وبناءً عليه لابد أن يعقب الخطية إيفاء أو قصاص. ثم يختم ”يتضح من هنا أن ليس لأحد أن يكرم الله أو يهينه من حيث هو، وأما بالنظر إلى الإنسان فقد يظهر أنه يأتي ذلك بإخضاع إرادته لمشيئة الله أو بعدم إخضاعها“.

التعليق:
لا شك أن تفسير أنسلم مستمد من مجتمعه.. كانت هناك حكايات تروى عن الشرف المفقود والشرف المسترد.. هكذا ساد الأمر في الثقافة الإقطاعية في زمانه. أقرب حاجة لأذهاننا هو فيلم ”رد قلبي“؛ إذ كان قبل ثورة يوليو الأرض ملك الأسياد أو اللوردات لا يمتلكها الفلاحين لكنهم يعملون نظير معيشتهم. كثير من الدراسين بيفسروا أهمية الشرف والكرامة للورد مش كشيء في حد ذاته، لكن لأجل ثبات النظام الاجتماعي. هذا ما يريد أن يؤكد عليه أنسلم.
ه اللي بيخلي واحد اسمه ”ديفيد بنتلي هارت“- وهو لاهوتي أرثوذكسي شرقي، أنه يدافع عن أنسلم، ويزعم برغم تحيزه الشخصي لسرديات أخرى عن الفداء، سائدة أكثر في الشرق، أن هناك تواصل في الفكر بين أنسلم وبين آباء الكنيسة، وأن كتابه لماذا تجسد الكلمةلا يشكل خرقًا بين اللاهوت الغربي والشرقي“.[1] وأن هناك قراءات وتفسيرات مشوهة كثيرة جدًا لما قاله أنسلم.
بالرغم أن فخر العهد الجديد هو أننا صرنا أبناء.. لكن كثير من الآباء افتخروا بالعبودية لله. زي ذهبي الفم وأوريجانوس اللي قال ”إن العبودية للمسيح أرفع مكانة من أي حرية“.[2] ولو عاوز حاجة من القداس هاقولك صلاة الصلح في القداس الكيرلس بتقول ”الذي الكل مذلول وخاضع بعُنق العبودية تحت خضوع قضيب ملكه“. وبالتالي لغة أننا عبيد للملك مش شرط تكون لغة سيئة أو أنها لغة لا تليق بنعمة العهد الجديد كما يدعي البعض. ممكن استخدمها وأنا واعي لنعمة البنوة في العهد الجديد برضو.
أما اللي مش هيقوله منتقدي أنسلم واللي لم يذكره واحد فقط من اللي بينتقدوا أنسلم هنا في مصر مثلاً، هو الجملة اللي بيقول فيها أنسلم ”لا يمكن أن يعتري كرامة الله نقص أو تطرأ عليه زيادة من حيث هي. لأن جوهر تلك الكرامة غير قابل للفساد ولا التغيير البتة“. وكانت رد من بوزو اللي قال إزاي الله يسمح أصلاً أن كرامته تتجرح. الشيء الثاني اللي ممكن يتغافل عنه منتقدي أنسلم أن أنسلم وضع كرامة الله في سياق نظام الموجودات وجمال الكون المنظور.. وهنا في رأيي بتنتفي عنه فكرة أن كل ما يهمه هو كرامة السيد الإقطاعي.. أو تصوريره لربنا أنه كل اللي يهمه كرمته وشرفه المهان. يُتبع


[1] Pro Ecclesia vol. v11, No 3, p. 335.
[2] أوريجانوس، تفسير رومية- ج1، ترجمة عادل زكري، مدرسة الأسكندرية، ص 75.

محاكمة كتاب أنسلم أسقف كانتربري- ج5



الجزء الأول
فصل (11): الفصل ده بيعرض سؤال: هل ربنا يقدر يغفر الخطية دون تعويض عن الكرامة المسلوبة؟ يجيب أنسلم ”إن لم تعاقب حُسبت مغفورة بغير حق“، ”ولا يليق بالله أن يغفر خطية بدون عقاب عليها“. و”لو كانت الخطية تُغفر بدون قصاص لكان الصالح والطالح على قدم المساواة أمام الله؛ الأمر الذي لا يجدر بالعدالة الإلهية“، ولو الخطية لا يُوفى عنها ولا يُعاقب عليها، فهي ليست خاضعة لأي ناموس (شريعة)، ولكانت الخطية أكثر حرية من البر، والخاطئ أكثر مشابهة لله من حيث الحرية، لأنه هيكون غير مقيد بشريعة!
رد عليه المحاور بسؤال شهير، إزاي ربنا يطلب مننا أن نصفح على المذنبين في حقنا ولا يصفح هو في حق من أذنبوا في حقه؟ فرد أنسلم بأن ربنا بيطالبنا بإننا نغفر لأن النقمة هي حقه هو حصريًا. وحتى لو في رؤساء أرضيين بينتقموا للشر فهما خدام معينين من الله لهذا. رجع المحاور لنقطة حرية الله.. وقالوه طالما أن الله هو حر من أي قيد.. فليه ميغفرش؟ لكن أنسلم شرح أن مش معنى أن الله حر من أي قيد أو شريعة أنه لو كذب مثلاً يصبح الكذب فضلية، لكن الأمر يشبه القضيتين المستحيلتين زي ما بتقول مثلاً ”الماء جاف“. يعني مينفعش ربنا يكذب ويخالف طبيعته.. ”ولا يليق بالله أن يأتي أمرًا غير عادل“.

التعليق:
من الناحية الكتابية: ”حَافِظُ الإِحْسَانِ إِلَى أُلُوفٍ. غَافِرُ الإِثْمِ وَالْمَعْصِيَةِ وَالْخَطِيَّةِ. وَلكِنَّهُ لَنْ يُبْرِئَ إِبْرَاءً“ (خر 34: 7). ومن الناحية الآبائية سنجد مثلاً ق إكليمندس السكندري وهو يشرح لماذا عاقب الله سدوم وعمورة، بيقول إن الله ”أوقع العقوبة على هؤلاء الخطاة حتى لا تذهب الخطية دون عقاب فتتحول إلى استباحة غير مكبوحة“.[1] يعني ربنا يهمه أنه يثبت نظام أخلاقي في الكون. مرة أخرى أعود للقديس أكليمندس في كتابه المربي عن أن ”الله لا ينزل العقوبة من منطلق الحقد ولكن بهدف إحقاق العدل.. إذ ليس لائقًا أنه لا يراعي العدل فيما يخصنا. وكل منا عندما يرتكب الخطية فهو بمحض رغبته يختار العقاب.. وعليه يقع وزر اختياره“.[2] يعني العدل شيء لائق بالله.
نقطة يليق ولا يليق بالله.. نعرف أن ق أثناسيوس في تجسد الكلمة 44 بيرد على فكرة أن الله كان يقدر يخلص بكلمة ”بنطق عالٍ“ بنفس طريقة خلقه من العدم.. فكان الرد أن ده حصل لإتمام الخلق لكن الآن يلزم ”علاج ما هو موجود“ ويستخدم استعارة الطبيب الشافي.. والاتحاد الانطولوجي لأن الفساد كان داخلي في الطبيعة.. وانه كان لازم يواجه الموت في الجسد.[3] هنلاقي هنا فرق بين ق أثناسيوس وأنسلم أن ق أثناسيوس قال برضو ”لا يتفق“ و”لا يليق“ أن ربنا يغفر وخلاص.. لكن ق أثناسيوس قال إن ده لا يتفق مع ”صدق الله الذي يقتضي أن يكون الله أمينًا من جهة حكم الموت الذي وضعه؛ لأنه كان من غير اللائق أن يظهر الله أبو الحق كاذبًا من أجلنا“.[4] يعني ق أثناسيوس بيقول إن الله مهتم بمصداقيته.. وبالحكم اللي قاله، وهو يوم تأكل من الشجرة موتًا تموت.
لكن أنسلم بيناقش اهتمامات أخرى، وكلها مشروعة، ولو قال زي ق أثناسيوس يبقى لم يضيف شيء على الإطلاق. الراجل بيقول لو الله مش بيعاقب على الخطية، أو الخطية بتمر كده من غير إجراء بيحصل، في الوقت ده هيبقى الصالح والطالح على قدم المساواة قدام ربنا.. وأن الخطية أكثر حرية، والخاطي أكثر مشابهة لله (من البار المقيد بشريعة معينة). أنسلم هنا يدافع عن قداسة الله..  ولو الخطية بتاعة السقوط لم يترتب عليها عقوبة (أو نتيجة سلبية)، فلماذا لا يكون الحال هكذا دائمًا.


[1] FOTC (23), Clement of Alexandria, Christ the Educator, Book III, 43, P. 235.  
[2]  Ibid., Book I: 68, p. 62.
[3]  تجسد الكلمة 44، صفحة 140- 141.
[4]  تجسد الكلمة 7: 1، صفحة 18.

الأحد، 5 أبريل 2020

محاكمة كتاب أنسلم أسقف كانتربري- ج4



الجزء الأول
فصل (9): أنسلم يؤكد مرة أخرى على أن طاعة المسيح للآب ليست ”إلزام قسري“ بل ”تمسك حبي اختياري“. كذلك الآب لم يشفق على ابنه، والابن لم يشفق على نفسه؛ لأن إرادة الابن من إرادة الآب. ثم يؤكد أن هذه الآيات تعني أنه ”مات من تلقاء إرادته الحرة بدون اضطرار البتة“. ويؤكد ذلك باستشهادات كثيرة مثل ”أما هو فتذلل..“، ”لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها“. ثم يرجع المحاور ليسأل لماذا التجسد والصليب على هذه الطريقة هي الوحيدة لخلاص الإنسان.
فصل (10): هيبدأ أنسلم بأنه يعرف الخطية وما هو الإيفاء عن الخطية. ويعرف الخطية على أنها ”عدم إيفاء الدين إلى الله“. وأن الدين ده هو أن إننا نعمل أعمال مرضية لله.. ”فمن لا يؤدي واجب الإكرام لله يكون قد سلب الله حقه ووضع من كرامته. هذه هي الخطية بعينها“. وعلى ذلك لابد أن يرد الإنسان ما سُلب بالإضافة إلى ما يعوض عن الإهانة. رأى أنسلم أننا مدينين لله بالطاعة واتباع مشئيته.. ولما بنعصي ربنا إحنا بنختلس حق ربنا علينا.

التعليق:
في فصل (9) أنسلم هنا في الحقيقة بيرد على أي حد بيقول إن نظريته في الخلاص بتضع الآب أمام الابن أو بتفصل بين الآب والابن في عمل الخلاص. في اتفاق في المشيئة بين الآب والابن؛ الأكثر من كده هنشوف بعدين أن الخلاص عمل ثالوثي عند أنسلم.  أمّا بالنسبة للفصل (10) فده في سؤالين كهمين جدًا: 1- هل الخطية تمثل دينًا فعلاً؟ 2- هل الله يهان بخطيتنا؟  للرد على السؤال الأول: هل الخطية دين؟ أولاً من الناحية الكتابية: في مت 6: 12 أغفر لنا ديوننا.. أو ما علينا.. الكلمة في لوقا هي μαρτία  هامارتيا مختلفة عن الكلمة اللي في لوقا وهي أوفيليماتا φειλήματα  ومعنها دَين. وهي نفس الكلمة المستخدمة في 1كو 7: 3 عن الحقوق الواجبة بين الزوجين.. ”ليوفي الرجل المراة حقها الواجب“. نفس المعنى في كو 2: 4 عن أنه محا ”الصك الذي علينا“، ورو 6: 23 على أن ”أجرة الخطية هي موت“. العلامة أوريجانوس في كتابه عن الصلاة بيقول إن تعدياتنا منقوشة في عقولنا وهي بمثابة الصك ضدنا. وتُقدم في ساحة القضاء وقت الحساب. حتى قرائته لنص لوقا اللي بمعنى خطايانا بيقول إنها تُسمى خطايانا لأننا ”نخطئ حين لا نؤدي ما علينا.[1]
ده من الناحية الكتابية، لو جينا من الناحية الآبائية، هنلاقي إن عمنا الكبير أوريجانوس هو اللي بيعلمنا إن الخطية عبارة عن دَين في تفسيره لرومية.. يقول أوريجانوس: ”لأنك ستجد كثيرًا في الكتب المقدسة أن الخطايا تُسمى ديونًا، كما علَّمنا الرب نفسه أن نقول في الصلاة ’اغفر لنا ديوننا كما نغفر للمديونين إلينا‘،  ومرة أخرى يقول الرب ’كَانَ لِمُدَايِنٍ مَدْيُونَانِ. عَلَى الْوَاحِدِ خَمْسُمِئَةِ دِينَارٍ وَعَلَى الآخَرِ خَمْسُونَ‘ (لو 7: 41-42)“[2] ويقول أوريجانوس أيضًا ”يتبيّن من هذا هو أنه طالما أن النفس التي خلقت بواسطة الله هي حرة في ذاتها، فهي تقود نفسها إلى العبودية بواسطة التعدي وتسلّم بنفسها للموت، إن جاز التعبير، صك خلودها الخاص الذي كانت قد قبلته من خالقها[3] ولا يمكن أن نغفل أن ق أثناسيوس في تجسد الكلمة قد استخدم تعبير إيفاء الدين:وكان لابد أن يتمّ الموت نيابة عن الجميع كي يوفي الدَّين المستحق على الجميع“.[4] (صحيح، الدَّين عند ق أثناسيوس مختلف.. لكن النقطة المشتركة أننا أصبحنا في حالة مديونية لله بالسقوط).
كذلك يقول ق ذهبي الفم تعليقًا على تعبير الصك: «أي صك؟ إمّا ما قالوه لموسى «كل الأقوال التي تكلم بها الرب نفعل ونطيع» (خر 24: 3)، أو إن لم تكن هذه، فهي إننا مديونين لله بالطاعة، وإن لم تكن هذه، فهو يقصد أن إبليس امتلك الصك الذي صنعه الله مع آدم بقوله «يوم أن تأكل من الشجرة موتًا تموت» (تك 2: 17). لذلك كان هذا الصك في حوزة إبليس، والمسيح لم يعطه لنا بل مزقه بنفسه إلى نصفين، وهذا تصرف مَن يغفر بابتهاج»“.[5] نلاحظ أن ق يوحنا ذهبي الفم يكرر فكرة أنسلم بالضبط وهي أننا ”مدينون لله بالطاعة“.
يكفي هذا للإجابة عن السؤال الأول، نأتي للسؤال الثاني، وهو.. هل يهان الله بخطيتنا؟ سأكتفي هنا برد للقديس باسليوس الكبير؛ إذ يقول: ”إذا كنا نقدم مجدًا لله بواسطة الأعمال الصالحة، هكذا نحن نصنع العكس بواسطة ممارسة الأعمال الشريرة“.[6] ثم يقتبس من الكتاب المقدس أم3: 9، إش 52: 5 اللي اقتبسها بولس في رو 2: 24 عن أن اسم الله بيجدف عليه بسببنا، وبيجيب كلام بولس في رو 2: 23 ”أبتعدي الناموس تهين الله؟“ ثم يقول ق باسليوس عبارة موجزة: ”إن الاحتقار والتعدي للناموس يعتبر إهانة للمشرع (واضع الناموس)“،[7] وبيضرب مثلاً بيت فيه غضب وصياح وضجيج وشتائم وضحكات وفسق، ويعلّق ”فإن خزي هذه الأعمال يأتي على قائد ومدبر هذا البيت“.[8] ثم يقول ”كما أن الله يتمجد بالأعمال الصالحة، هكذا فإن العدو الشيطان يتمجد بالأعمال الشريرة. لما آخد أعضاء المسيح وأخليها أعضاء زانية يبقى بنقل ”مجد مخلصي إلى مهلكي“. ثم يختتم قوله ”إذًا لنخف لئلا نعطي مجدًا للشيطان بخطيتنا، فنكون قد سلمنا أنفسنا معه إلى الخزي الأبدي“.[9]
نلاحظ هنا إن ق باسليوس يقول إننا بشكل ما نهين الله بخطيتنا.. ونجدف على اسم الله.. لستُ هنا في مجال تقييم صوابية الفكرة؛ لأن أنسلم بعد ذلك سيؤكد أن كرامة الله لا تزيد ولا تُنتقص. وسنبين ذلك في مكانه. لكن عاوز أقول أن أنسلم مجبش كلامه من الهوا.. عنده ال elements في كتابات الآباء الشرقيين والغربيين.. المختلف أن أنسلم عمل نظرية موحدة unified ونظامية systematic حوالين فكرة كرامة الله؛ أمّا في حقبة الآباء- كما يؤكد كثير من الدارسين لم توجد هذه النظرية الموحدة عن الفداء. يُتبع 



[1] أوريجانوس، عن الصلاة، ترجمة أبونا موسى وهبة، ص 95.
[2]  أوريجانوس، تفسير الرسالة إلى رومية، 4: 1: 15، ترجمة عادل زكري، مدرسة الأسكندرية، ص 263.
[3]  نفس المرجع السابق، تفسير رومية 5: 3: 3، صفحة 359.
[4]  ق أثناسيوس، تجسد الكلمة 20، ترجمة د جوزيف موريس، المركز الأرثوذكسي، صفحة 61.
[5]  يوحنا ذهبي الفم، تفسير كولوسي، ص 177. 
[6]  تفسير سفر المزامير، ج 1، ترجمة د سعيد حكيم، المركز الأرثوذكسي، ص 129.
[7]  نفس المرجع السابق، ص 129.
[8]  نفس المرجع السابق، ص 130.
[9]  نفس المرجع السابق، ص 130. 

محاكمة كتاب أنسلم أسقف كانتربري- ج3




الجزء الأول
في نهاية الفصل (7) بينهال المحاور على أنسلم بمجموعة من الآيات اللي يبان منها أن المسيح احتمل الموت ”بحكم الطاعة أكثر مما هو بمطلق إرادته الاختيارية“. من الآيات دي: ”وضع نفسه وأطاع“، ”تعلم الطاعة مما تألم به“، ”لم يشفق على ابنه“؛ ”ما جئت لأعمل مشيئتي“، ”يا ابتاه إن شئت أن تعبر عن هذه الكاس“، وبيبدأ أنسلم يرد عليها في الفصل (8).
فصل (8): أو حاجة قالها له إن في فرق بين ”الطاعة القاهرة“ و”المحافظة على روح الطاعة“. في الرد على آية ”أطاع.. لذلك رفعه الله“ يقول أنسلم ”لا يصح أن يُفهم منه أنه لو لم يطع حتى الموت لما وصل إلى ذلك الترفيع.. وأن تلك الرفعة ما أعطيت له إلا مكافأة عن تلك الطاعة“. وعن آية ”لم يشفق على ابنه“ قال دي معناها أنه لم ينقذه.. وعن آية ”إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس“ ، فقال إن ده بيشير إلى ”رغبة البقاء الطبيعية الموضوعة في الإنسان لحفظ الذات التي ينفر بها الجسد البشري من آلام الموت“. ولا يفهم من الكلام إن الآب لغى إرادة الابن.. وبالتالي موت الابن ليس ”موت ضرورة“.. بل موت موافقة من الابن على هذه الوسيلة من أجل خلاص الإنسان.

التعليق:
طبعًا لاهوت أريوس هو لاهوت الترقية والترفيع.. يعني المسيح نال رفعة بطاعته للآب.. وق أثناسيوس في ضد الأريوسيين وق كيرلس الكبير في الكنوز في الثالوث ردوا على هذا الفكر بتفاصيله، وكل الآيات اللي بيستخدمها الأريوسيين لدعم آرائهم.. وإجابة أنسلم لا تختلف كثيرًا عن إجابة أثناسيوس وكيرلس..  أمّا الكلام عن الرغبة الطبيعية لحفظ الذات فدي بالضبط فكرة ق يوحنا ذهبي الفم الذي يقول: ”الطبيعة البشرية تفضل ألا تُنزع من الحياة الحاضرة وتجفل وترتد من الموت. لماذا؟ لأن الله غرس في الطبيعة البشرية حب لحياة هذا العالم“.[1]  وإلا انتحر الإنسان لأتفه الأسباب. شرط أساسي عند أنسلم أن تكون ذبيحة المسيح طواعية مش مقيدة بأي ضرورة أو إجبار من أي نوع. يُتبع


[1]  ق يوحنا ذهبي الفم، مساو للآب في الجوهر، ترجمة نشأت مرجان، دار النشر الأسقفية، ص 30.

محاكمة كتاب أنسلم أسقف كانتربري- ج2



الجزء الأول
فصل (4): بوزو بيقوله ده كلام مينفعش مع غير المؤمنين (بالنسبة ليهم دي أحلام). فقاله أنسلم إن أكرم خلائق الله، الإنسان يعني، كان سيهلك بأسره لو لم يمد الخالق له يد الخلاص..
فصل (5): بوزو قاله الأسهل أنه يرسل ملاك ليخلصه.. أو يخلق إنسان مش من الجبلة الخاطئة- زي ما خلق آدم في الأول- ويفدي بيه الإنسان. فرد أنسلم ”الذي يفدي الإنسان من الموت الأبدي يكون من حقه السيادة عليه فيصبح الإنسان ملكًا له شرعيًا“ ويصير الإنسان عبدًا لمن افتداه.
فصل (6): عبارة عن مجموعة كبيرة من الأسئلة اللي بيقدمها بوزو واللي بيقول إن غير المؤمنين بيعيرونا بيها: من هذه الأسئلة ما يلي:
-        أنتم بتقولوا إن الخلاص فداء (تحرير)، طب فين السجن ده اللي مكنش نافع يحرركم منه إلا بالطريقة دي؟
-        ليه بالطريقة دي لما يقدر بكلمة منه.. إرادة منه.. يحررنا من إبليس أو من خطايانا أو من جهنم؟ وإلا كان في استهانة بحكمته لو مفيش داعي لكل اللي عمله؟ 
-        وكلامكم أن ده بيظهرلكم محبة ربنا.. ملوش دليل إلا إذا تعذر خلاص الإنسان بطريقة أخرى؟
فصل (7): بيبدأ أنسلم يشرح أنه لا يوجد شيء غير معقول إن الله يريد خلاصنا بهذه الطريقة.. وإذا كان المعترض مش هاقدر يبقبل التجسد علشان فيه هوان لله.. فالمسيح لم يتحمل الهوان بحسب لاهوته ”لأنها مترفعة عن كل ألم“ بل بحسب طبيعته البشرية.. وبالتالي طبيعته اللاهوتية لم يطالها أي هوان.. بل بالعكس الطبيعة الإنسانية هي اللي تعالت وتسامت. بيسأله بوزو: إزاي ربنا يكون بيتعامل بالعدل ”وما هذا العدل الموجب تسليم أبر الناس إلى الموت عن الذنب. وأي قاضي يحكم بقتل البار لإطلاق سبيل المجرم“. أنسلم بيحل الإشكالية دي ببساطة شديدة وهي أن الله ”لم يجبره على الموت إجبارًا.. ولا سمح بإماتته رغمًا عنه؛ إنما ذاك نفسه من تلقاء إرادته قد وضع حياته باختياره ليخلص الجنس البشري“.

التعليق:
في الفصل (5) في فكرة آبائية بامتياز. ق أثناسيوس في رده على الأريوسيين اللي قالوه إن آيات زي أع 2: 36 أن الله جعل المسيح ربًا مسيحًا.. وبالتالي حصله ارتقاء.. كان رد الآباء ”لم يقل بطرس إن جوهر الابن قد صنع (أو جُعل). بل إن ربوبيته علينا هي التي حدثت حينما حينما صار إنسانًا، وأنه بافتدائه الكل بالصليب، قد صار رب الجميع وملكًا عليهم“. ”لم يبتدئ أن يصير عندئذٍ ملكًا وربًا، بل ابتدأ أن يُظهر ربوبيته، وأن تمتد ربوبيته حتى على الذين يعصونه“.[1] من خلال الفكرة دي نقدر نقول إن أنسلم عنده حق في فكرة أن اللي هيفدي الإنسان هيبقى ربه وهيكون ليه السيادة عليه.  
أمّا فكرة أن الله أو اللاهوت غير قابل للتألم، فدي برضو فكرة أبائية سليمة شرحها ق كيرلس كثيرًا في رسائله لنسطور ويوحنا الأنطاكي. أخيرًا فكرة كيف يسلم الله البريء وفي نفس الوقت يكون عادل.. فرد أنسلم منطقيًا مظبوط.. المهم أن الفادي عمل كده بإرادته غير مرغم- والفكرة دي أساسية وجوهرية عند أنسلم. واحد هيقول فين دلوقت الشخص اللي بيموت بدل حد، والقاضي بيسمح بكده.. أقول عندك حق: لكن النهاردة بنشوف الجندي اللي بيفدي شعبه، والطبيب اللي بيخاطر في حياته لإنقاذ المرضى. هنتعرض للفكرة دي أكتر بعد كده. يُتبع.


[1]  ق أثناسيوس، ضد الأريوسيين، مراجعة د جوزيف موريس، المركز الأرثوذكسي، ص 172- 173.

محاكمة كتاب أنسلم أسقف كانتربري- ج1


محاكمة كتاب أنسلم أسقف كانتربري
”لماذا تجسد الكلمة؟“  

فيما يلي هاقدم الأول استعراض وملخص لكتاب أنسلم ”لماذا تجسد الكلمة؟“ (Cur Deus Homo) وتحليل لاهوتي وآبائي بعد الجزء اللي بلخصه من كتاب أنسلم.. وبعد كده هاحاول أعمل تقييم أو نقد إجمالي بعد الانتهاء من تلخيص الكتاب والتعليقات اللي هاكتبها بعد كده:  (هاعتمد على الترجمة العربية الي في الصورة دي- وفي أجزاء هاكون برجع ليها في الترجمة الإنجليزية).
الجزء الأول
فصل (1): هدف الكتاب إجابات عقلانية لشرح الفداء. على طريقة الحوار بين بوسو وأنسلم. 
فصل (2): يرى أنسلم أن موضوع الفداء متشعب ويستلزم فهم أمور أخرى في الإيمان.. وأنه مهما قولنا هيظل في أمور ”شتى غامضة مكنونة“. ويقول له المحاور (بوزو) أنه إذا قال شيئًا مخالفًا للكتاب المقدس؛ فإنه سينبهه لذلك.
فصل (3): يتضح أن اعتراضات غير المؤمنين هي في وضاعة التجسد بما يصاحبه من ضعف.. وحقارة الصليب بما يصاحبه من إهانة. ويقول إجمالاً عن الفداء ما يلي: ”لأن فداءه لنا كان بطريقة عجيبة ليس لعقلنا الإنساني العاجز أن يتصورها.. فقد كنا غارقين في حمأة الرذائل.. فرفعنا إلى حالة الطهارة.. وأنقذنا من العقاب الذي كنا نستوجبه بالعدل والحق..“
 ويقول لو أن غير المؤمنين تأملوا إن دي كانت طريقة ”تجديد الجنس البشري“ لشكرونا بدل ما بيستهزأوا بينا. هذه الطريقة فيها توازيات: بآدم الأول معصية وبالثاني حياة.. وبامرأة نشأت الخطية.. وولد رئيس تبريرنا من امرأة برضو.. الشيطان غلب الإنسان بالشجرة.. والمسيح غلب الشيطان بالموت على الخشبة.

التعليق:
أولاً عاوز أقول يُحسب لأنسلم هنا التعبير بأن الفداء ده شيء عظيم مفيش حاجة تقدر توصفه بالكامل، ويُحسب ليه أنه حتى مع قوله بأن الفداء هو إنقاذ من العقوبة العادلة إلا أنه بيوصف ده بأنه تجديد للبشرية كلها. في البداية تعبيره بأنه أنقذنا من العقاب.. مش لازم يكون بدلية عقابية.. لأنه مقلش أن المسيح أتعاقب بدلنا- هنرجع للنقطة دي بعد كده.. لكن وصف حالتنا إحنا بعد السقوط بأنها عقوبة دي شيء معتاد.. فمثلا ق يوحنا ذهبي الفم بيقول: ”فلو أن ملكًا قد رأى سارقًا ومجرمًا وهو يُعذّب، ثم وضع ابنه الوحيد لكي يبذل نفسه عنه، وحوَّل العقوبة عن المجرم ونقلها إلى الابن الذي لم يكن مجرمًا، ليس فقط عقوبة الموت، بل والخطية أيضًا، وذلك حتى يُخلص المدان، وينقذه مما التصق به من صفة سيئة، وبعد كل هذا رفعه إلى أعلى مرتبة. ثم بعد هذه المحبة.. حدث أن أهان الملك الذي أحسن إليه، ألا يُفضل أن يموت آلاف المرات.. على أن يصبح مذنبًا بكل هذا الجحود؟[1]
أمّا عن فكرة التوازي الأخيرة، فهي فكرة ق إيريناؤس بامتياز: في كتابه شرح الكرازة الرسولية يقول ق إيريناؤس: ”ولأن الجميع أقتيد إلى الموت بسبب عصيان أبونا الأول، آدم، كان مناسبًا وضروريًا أن يبطل نير الموت بواسطة ذاك الذي صار إنسانًا لأجلنا“ (فقرة 31). و”كما أنه بسبب عذراء عاصية، حواء، جُرح الإنسان وسقط ومات، هكذا أيضًا بسبب عذراء مطيعة.. أُعيد الإنسان إلى الحياة“ (فقرة 33)، و”الخطية التي حدثت بواسطة الشجرة، أزليت بواسطة الطاعة على الشجرة (الصليب)“ (فقرة 34).[2] (يُتبع)



[1]  يوحنا ذهبي الفم، تفسير كورنثوس الثانية، ترجمة د سعيد حكيم، عظة 11، المركز الأرثوذكسي، ص191- 193.
[2]  إيريناؤس، كتاب الكرازة الرسولية، ترجمةد نصحي عبد الشهيد، ود جورج عوض، المركز الأرثوذكسي، ص 97- 99.

الأربعاء، 1 أبريل 2020

تفسير سفر المزامير- ج1 ق باسليوس الكبير



ترجمة د سعيد حكيم، مراجعة د نصحي عبد الشهيد، بمعرفة المركز الأرثوذكسي، في 270 صفحة (قطع متوسط). وهو عبارة عن ترجمة 7 عظات فقط من هذا العمل.
هشارك ببعض الأفكار المتناثرة اللي عجبتني في هذا الكتاب.
العظة الأولى
بيقول فيها أن المزمور ”ينتزع الدموع من القلب المتحجر“.. وبيعلم مش بالقهر ولكنه ”يخترق نفوسنا بالنعمة والفرح“. بيعلق على المزمور الأول وبيقول ق باسليوس حاجة جميلة هي: لماذا سُميت الحياة بالطريق؟ يجيب ق باسليوس الكبير:
الحياة تُسمى بالطريق لأن كل واحد يُولد هو في مسيرة نحو النهاية. زي اللي نايمين في سفينة.. هتمشي بيهم لحد النهاية.. هكذا نحن في زمن حياتنا.. بواسطة الحركة المستمرة.. يتجه كل منا نحو نهايته.. هناك طريق يركض فيه جميع البشر، يتعجل كل واحد منا ليصل إلى نهايته.. أنت سائر بلا عودة في هذه الحياة، تُسرع الخطى في كل شيء، وتترك كل شيء خلفك. ترى في الطريق نباتًا.. عشبًا.. ماءً.. شيئًا يستحق المشاهدة.. تبتهج لبرهة. وتصادف وديانًا.. صخورًا.. وحوشًا.. أشواكًا.. أشياءً تسبب الانزعاج.. فتغتم لوقت قليل.. لكن بعد ذلك تتركها خلفك.. هذه هي الحياة.. فلا الأمور المفرحة دائمة.. ولا المحزنة تستمر.. لا الطريق لك.. ولا الأمور الحاضرة ملكك.. أما السائرون على الطريق، فبمجرد ما يترك الأول أثر القدم على الأرض، يدوس الثاني على الفور، ثم يأتي التالي له“(ص 62).
في نفس العظة بيبان تأثره بأوريجانوس في فكرة إن ”ممارسة الخطية التي تجذرت وتأصلت في النفس تصبح مع مرور الزمن، غير قابلة للشفاء؛ لأن العادة في الغالب تتحول إلى طبيعة“ (ص 66). والكلام ده قاله العلامة أوريجانوس في كتاب المبادئ، في سياق تشككه في خلاص الجميع (والشيطان) بسبب الحكاية دي.. أنه بسبب التمرس على الشر.. ربما لن تلين إرادة الأشرار- ده إن صحت فكرة الخلاص الشامل (الأبوكتاستاسيس) اللي كان بيتكلم عليها.
العظة الثانية
بيظهر كمان اهتمام ق باسليوس بشرح عنوان المزمور وحل الإشكاليات النصية.. يعني بيعمل نقد نصي بالشكل الحديث. لما المرنم بيقول ”قم يارب بغضبك“ (مز 7: 6) بيقول ق باسليوس ”لن ينتقم لي، بل لوصيتك التي أعطيتها أنت، والتي أحتقرت (83). هل الكل هيدان بنفس الطريقة؟ يقول ”أنا أعتقد أن كل من أخذ الجسد الترابي.. لم يُهان من قبل الديان العادل، بطريقة واحدة؛ لأن العوامل الخارجية والتي تختلف تمامًا بالنسبة لكل منا، تجعل إدانة كل واحد مختلفة عن الآخر“ (85). وبيقول إن اليهودي سيدان بطريقة مختلفة عن السكيثي (البربري) اللي اتربى على العنف..
هل الله يدين؟ يقول ”الله قاض عادل.. ولا أن يكون لديكم فكرة وضيعة عن الله حتى تعتقدوا أنه يستحيل أن ينتقم، لأنه هو أيضًا جبار“. طب ليه مش بيعاقب الخطاة مباشرة؟ لأنه طويل الأناة (94). الأكثر من كده أنه على الآية التالية ”إن لم ترجعوا يصقل سيفه“ (مز 7: 12) يقول ق باسليوس: ”كما أن الذين ينظفون الأسلحة يُظهرون بهذه الطريقة حماسهم للحرب، هكذا الله أيضًا، لأنه أراد أن يوضح رغبته في العقاب، قال إنه يصقل سيفه“ (94)، وبعد كده بيقول إن ”أدوات العقاب تكون على أهبة الاستعداد لعقابه“ (95) أي الخاطئ.
العظة الثالثة
دي عبارة عن عظة جميلة عن الربا والقروض.. وإزاي المرابي ده بيفقر الناس.. وإزاي اللي بياخد قروض ده بيدمر نفسه وبيضحي براحته ونومه.. وإزاي ”المقترض هو عبد للمقرض“ (109). وأن الفوائد على القروض هتزيد من فقرك..
العظة الرابعة
نيجي لسؤال خطير جدًا هنا، وهو ”هل الله يهان بخطيتنا؟“.. السؤال من عندي بس تعالوا نشوف ق باسليوس بيرد على السؤال ده إزاي. يقول: ”إذا كنا نقدم مجدًا لله بواسطة الأعمال الصالحة، هكذا نحن نصنع العكس بواسطة ممارسة الأعمال الشريرة“ (129). ثم يقتبس من الكتاب المقدس أم3: 9، إش 52: 5 اللي اقتبسها بولس في رو 2: 24 عن أن اسم الله بيجدف عليه بسببنا، وبيجيب كلام بولس في رو 2: 23 ”أبتعدي الناموس تهين الله؟“ ثم يقول ”إن الاحتقار والتعدي للناموس يعتبر إهانة للمشرع (واضع الناموس)“ (129)، وبيضرب مثل بيت فيه غضب وصياح وضجيج وشتائم وضحكات وفسق ”فإن خزي هذه الأعمال يأتي على قائد ومدبر هذا البيت“ (130) ثم يقول ”كما أن الله يتمجد بالأعمال الصالحة، هكذا فإن العدو الشيطان يتمجد بالأعمال الشريرة“. لما آخد أعضاء المسيح وأخليها أعضاء زانية يبقى بنقل ”مجد مخلصي إلى مهلكي“. ثم يختتم قوله ”إذًا لنخف لئلا نعطي مجدًا للشيطان بخطيتنا، فنكون قد سلمنا أنفسنا معه إلى الخزي الأبدي“ (130).  
في تعليقه على آية ”صوت الرب يقطع لهب النار“ (مز 29) يقول إن النار ليها قوتين: قوة حارقة وقوة منيرة مشرقة. ”الأولى تلهب وتحرق وتستمر قوة النار العقابية لأولئك الذين ستحقون أن يحرقوا، أما القوة المنيرة المشرقة فهي تعطى للأبرار كميراث.. نار الجحيم تصبح ظلامًا.. أما في موضع الراحة فالنور لا يحرق“ (145).
العظة الخامسة
ما هو غضب الله؟ في تعليقه على آية ”لأن غضبه في سخطه“ (مز 30) يقول: ”هناك غضب في سخط الله، كما لو كان الغضب هو نفسه السخط، إلا أن الفارق كبير. السخط إذًا هو قرار الله أن تُفرض بعض العقوبات القاسية على من يستحق العقاب. أما الغضب فهو الألم، والعقاب الذي قضي به الديان العادل بقدر الظلمك الذي ارتُكب“ (167).
العظة السادسة
شيء جميل اللي بيعمله ق باسليوس في تعليقه على آية ”كل أعماله حق“ (مز 33).. وبيقول طب إزاي الحق في الحجر أو الحيوانات.. فيخدنا فيما يعرف بإثبات وجود الله من خلال التصميم الإلهي في الكون.. ”لو انتبهت للسماء.. يكون لك مرشدًا إلى الحق.. وإن لاحظت الترتيب والنظام.. يزداد إيمانك بالله.. حتى الحجر إن فحصته فإنه يحمل دليلا على قجرة الخالق.. بل والنملة أيضًا والحشرة الدقيقة والنحلة.. لا تقل إن هذه الأعمال البديعة قد صارت بالصدفة.. لا يوجد شيء في الخليقة بدون هدف“. ده اللي بيسموه الحجة المرتكزة على التصميم argument from design أو الحجة الغائية teleological argument في إثبات وجود الله.
ما علاقة عدل الله برحمته؟ يجيب ق باسليوس كالآتي:
يحب الرحمة والإنصاف. ومن رحمته تمتلئ الأرض“ (مز 33: 5). يعلق قائلاً: ”لو وجد إنصاف (عدل) الله وحده.. وفجأة بدأ يجازينا بحسب أعمالنا، فأي رجاء سيكون لنا؟ ومن من سائر البشر سيخلص؟ لكنه يقول الآن "يحب الرحمة والإنصاف" كما لو كان الله قد وضع الرحمة إلى جواره، وأظهرها من عرش الإنصاف الملوكي، وهكذا يقود كل أحد إلى الدينونة العادلة... فلا رحمة بدون إنصاف، ولا عدالة بدون رأفة. هذان مرتبطان فيما بينهما: أي الرأفة والدينونة.. فلا الرحمة تثير الخمول والكسل.. ولا الدينونة وحدها تدعو إلى اليأس والقنوط. يريد الديان أن يرحمك.. إذا وجدك متضعًا. إما إن رأى قلبًا غير تائب.. يفضِّل لك المجازاة والمحاكمة. إنه يستخدم الرحمة مع التائبين، والعقاب مع غير التائبين“. (190- 191).

العظة السابعة

ما معنى آية ”هلم أيها البنون.. فأعلمكم مخافة الرب“ (مز 34: 11)؟ ق باسليوس بيقول مش كل خوف يعتبر نوع من الصلاح.. ومش كل خوف يعتبر خوف خلاصي أو محرر.. في خوف من العدو وخوف من الموت.. وده نوع وحش. لكن الخوف المخلص.. الخوف الذي يقدس.. الخوف الذي ينشأ من الحرص والاهتمام.. هو ”عندما تريد أن ترتكب خطية ما، فكر في القضاء الرهيب، وغير المحتمل الذي للمسيح له المجد.. حيث يجلس الديان فوق عرش عالٍ.. وتُعرض أمامه كل الخليقة، مرتعدة من حضوره الممجد“ واللي كانت حياته شريرة.. بيظهرله ملائكة مخيفين.. بيتنفسوا نار.. وشوشهم شبيهة بالليل المظلم.. ثم ”توجد هوة عظيمة.. وظلام لا مخرج منه، ونار بدون وهج ولمعان“، ثم توجد ”مجموعة من الحشرات السامة.. تأكل بشراهة، ولا تشبع أبدًا“، ثم يكون ”الجحيم الذي هو أكثر فزعًا ورعبًا من كل شيء، العار والخزي الأبدي“.. هذه هي الأشياء التي يجب أن تخاف منها (ص 239- 241).