الأحد، 5 أبريل 2020

محاكمة كتاب أنسلم أسقف كانتربري- ج4



الجزء الأول
فصل (9): أنسلم يؤكد مرة أخرى على أن طاعة المسيح للآب ليست ”إلزام قسري“ بل ”تمسك حبي اختياري“. كذلك الآب لم يشفق على ابنه، والابن لم يشفق على نفسه؛ لأن إرادة الابن من إرادة الآب. ثم يؤكد أن هذه الآيات تعني أنه ”مات من تلقاء إرادته الحرة بدون اضطرار البتة“. ويؤكد ذلك باستشهادات كثيرة مثل ”أما هو فتذلل..“، ”لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها“. ثم يرجع المحاور ليسأل لماذا التجسد والصليب على هذه الطريقة هي الوحيدة لخلاص الإنسان.
فصل (10): هيبدأ أنسلم بأنه يعرف الخطية وما هو الإيفاء عن الخطية. ويعرف الخطية على أنها ”عدم إيفاء الدين إلى الله“. وأن الدين ده هو أن إننا نعمل أعمال مرضية لله.. ”فمن لا يؤدي واجب الإكرام لله يكون قد سلب الله حقه ووضع من كرامته. هذه هي الخطية بعينها“. وعلى ذلك لابد أن يرد الإنسان ما سُلب بالإضافة إلى ما يعوض عن الإهانة. رأى أنسلم أننا مدينين لله بالطاعة واتباع مشئيته.. ولما بنعصي ربنا إحنا بنختلس حق ربنا علينا.

التعليق:
في فصل (9) أنسلم هنا في الحقيقة بيرد على أي حد بيقول إن نظريته في الخلاص بتضع الآب أمام الابن أو بتفصل بين الآب والابن في عمل الخلاص. في اتفاق في المشيئة بين الآب والابن؛ الأكثر من كده هنشوف بعدين أن الخلاص عمل ثالوثي عند أنسلم.  أمّا بالنسبة للفصل (10) فده في سؤالين كهمين جدًا: 1- هل الخطية تمثل دينًا فعلاً؟ 2- هل الله يهان بخطيتنا؟  للرد على السؤال الأول: هل الخطية دين؟ أولاً من الناحية الكتابية: في مت 6: 12 أغفر لنا ديوننا.. أو ما علينا.. الكلمة في لوقا هي μαρτία  هامارتيا مختلفة عن الكلمة اللي في لوقا وهي أوفيليماتا φειλήματα  ومعنها دَين. وهي نفس الكلمة المستخدمة في 1كو 7: 3 عن الحقوق الواجبة بين الزوجين.. ”ليوفي الرجل المراة حقها الواجب“. نفس المعنى في كو 2: 4 عن أنه محا ”الصك الذي علينا“، ورو 6: 23 على أن ”أجرة الخطية هي موت“. العلامة أوريجانوس في كتابه عن الصلاة بيقول إن تعدياتنا منقوشة في عقولنا وهي بمثابة الصك ضدنا. وتُقدم في ساحة القضاء وقت الحساب. حتى قرائته لنص لوقا اللي بمعنى خطايانا بيقول إنها تُسمى خطايانا لأننا ”نخطئ حين لا نؤدي ما علينا.[1]
ده من الناحية الكتابية، لو جينا من الناحية الآبائية، هنلاقي إن عمنا الكبير أوريجانوس هو اللي بيعلمنا إن الخطية عبارة عن دَين في تفسيره لرومية.. يقول أوريجانوس: ”لأنك ستجد كثيرًا في الكتب المقدسة أن الخطايا تُسمى ديونًا، كما علَّمنا الرب نفسه أن نقول في الصلاة ’اغفر لنا ديوننا كما نغفر للمديونين إلينا‘،  ومرة أخرى يقول الرب ’كَانَ لِمُدَايِنٍ مَدْيُونَانِ. عَلَى الْوَاحِدِ خَمْسُمِئَةِ دِينَارٍ وَعَلَى الآخَرِ خَمْسُونَ‘ (لو 7: 41-42)“[2] ويقول أوريجانوس أيضًا ”يتبيّن من هذا هو أنه طالما أن النفس التي خلقت بواسطة الله هي حرة في ذاتها، فهي تقود نفسها إلى العبودية بواسطة التعدي وتسلّم بنفسها للموت، إن جاز التعبير، صك خلودها الخاص الذي كانت قد قبلته من خالقها[3] ولا يمكن أن نغفل أن ق أثناسيوس في تجسد الكلمة قد استخدم تعبير إيفاء الدين:وكان لابد أن يتمّ الموت نيابة عن الجميع كي يوفي الدَّين المستحق على الجميع“.[4] (صحيح، الدَّين عند ق أثناسيوس مختلف.. لكن النقطة المشتركة أننا أصبحنا في حالة مديونية لله بالسقوط).
كذلك يقول ق ذهبي الفم تعليقًا على تعبير الصك: «أي صك؟ إمّا ما قالوه لموسى «كل الأقوال التي تكلم بها الرب نفعل ونطيع» (خر 24: 3)، أو إن لم تكن هذه، فهي إننا مديونين لله بالطاعة، وإن لم تكن هذه، فهو يقصد أن إبليس امتلك الصك الذي صنعه الله مع آدم بقوله «يوم أن تأكل من الشجرة موتًا تموت» (تك 2: 17). لذلك كان هذا الصك في حوزة إبليس، والمسيح لم يعطه لنا بل مزقه بنفسه إلى نصفين، وهذا تصرف مَن يغفر بابتهاج»“.[5] نلاحظ أن ق يوحنا ذهبي الفم يكرر فكرة أنسلم بالضبط وهي أننا ”مدينون لله بالطاعة“.
يكفي هذا للإجابة عن السؤال الأول، نأتي للسؤال الثاني، وهو.. هل يهان الله بخطيتنا؟ سأكتفي هنا برد للقديس باسليوس الكبير؛ إذ يقول: ”إذا كنا نقدم مجدًا لله بواسطة الأعمال الصالحة، هكذا نحن نصنع العكس بواسطة ممارسة الأعمال الشريرة“.[6] ثم يقتبس من الكتاب المقدس أم3: 9، إش 52: 5 اللي اقتبسها بولس في رو 2: 24 عن أن اسم الله بيجدف عليه بسببنا، وبيجيب كلام بولس في رو 2: 23 ”أبتعدي الناموس تهين الله؟“ ثم يقول ق باسليوس عبارة موجزة: ”إن الاحتقار والتعدي للناموس يعتبر إهانة للمشرع (واضع الناموس)“،[7] وبيضرب مثلاً بيت فيه غضب وصياح وضجيج وشتائم وضحكات وفسق، ويعلّق ”فإن خزي هذه الأعمال يأتي على قائد ومدبر هذا البيت“.[8] ثم يقول ”كما أن الله يتمجد بالأعمال الصالحة، هكذا فإن العدو الشيطان يتمجد بالأعمال الشريرة. لما آخد أعضاء المسيح وأخليها أعضاء زانية يبقى بنقل ”مجد مخلصي إلى مهلكي“. ثم يختتم قوله ”إذًا لنخف لئلا نعطي مجدًا للشيطان بخطيتنا، فنكون قد سلمنا أنفسنا معه إلى الخزي الأبدي“.[9]
نلاحظ هنا إن ق باسليوس يقول إننا بشكل ما نهين الله بخطيتنا.. ونجدف على اسم الله.. لستُ هنا في مجال تقييم صوابية الفكرة؛ لأن أنسلم بعد ذلك سيؤكد أن كرامة الله لا تزيد ولا تُنتقص. وسنبين ذلك في مكانه. لكن عاوز أقول أن أنسلم مجبش كلامه من الهوا.. عنده ال elements في كتابات الآباء الشرقيين والغربيين.. المختلف أن أنسلم عمل نظرية موحدة unified ونظامية systematic حوالين فكرة كرامة الله؛ أمّا في حقبة الآباء- كما يؤكد كثير من الدارسين لم توجد هذه النظرية الموحدة عن الفداء. يُتبع 



[1] أوريجانوس، عن الصلاة، ترجمة أبونا موسى وهبة، ص 95.
[2]  أوريجانوس، تفسير الرسالة إلى رومية، 4: 1: 15، ترجمة عادل زكري، مدرسة الأسكندرية، ص 263.
[3]  نفس المرجع السابق، تفسير رومية 5: 3: 3، صفحة 359.
[4]  ق أثناسيوس، تجسد الكلمة 20، ترجمة د جوزيف موريس، المركز الأرثوذكسي، صفحة 61.
[5]  يوحنا ذهبي الفم، تفسير كولوسي، ص 177. 
[6]  تفسير سفر المزامير، ج 1، ترجمة د سعيد حكيم، المركز الأرثوذكسي، ص 129.
[7]  نفس المرجع السابق، ص 129.
[8]  نفس المرجع السابق، ص 130.
[9]  نفس المرجع السابق، ص 130. 

محاكمة كتاب أنسلم أسقف كانتربري- ج3




الجزء الأول
في نهاية الفصل (7) بينهال المحاور على أنسلم بمجموعة من الآيات اللي يبان منها أن المسيح احتمل الموت ”بحكم الطاعة أكثر مما هو بمطلق إرادته الاختيارية“. من الآيات دي: ”وضع نفسه وأطاع“، ”تعلم الطاعة مما تألم به“، ”لم يشفق على ابنه“؛ ”ما جئت لأعمل مشيئتي“، ”يا ابتاه إن شئت أن تعبر عن هذه الكاس“، وبيبدأ أنسلم يرد عليها في الفصل (8).
فصل (8): أو حاجة قالها له إن في فرق بين ”الطاعة القاهرة“ و”المحافظة على روح الطاعة“. في الرد على آية ”أطاع.. لذلك رفعه الله“ يقول أنسلم ”لا يصح أن يُفهم منه أنه لو لم يطع حتى الموت لما وصل إلى ذلك الترفيع.. وأن تلك الرفعة ما أعطيت له إلا مكافأة عن تلك الطاعة“. وعن آية ”لم يشفق على ابنه“ قال دي معناها أنه لم ينقذه.. وعن آية ”إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس“ ، فقال إن ده بيشير إلى ”رغبة البقاء الطبيعية الموضوعة في الإنسان لحفظ الذات التي ينفر بها الجسد البشري من آلام الموت“. ولا يفهم من الكلام إن الآب لغى إرادة الابن.. وبالتالي موت الابن ليس ”موت ضرورة“.. بل موت موافقة من الابن على هذه الوسيلة من أجل خلاص الإنسان.

التعليق:
طبعًا لاهوت أريوس هو لاهوت الترقية والترفيع.. يعني المسيح نال رفعة بطاعته للآب.. وق أثناسيوس في ضد الأريوسيين وق كيرلس الكبير في الكنوز في الثالوث ردوا على هذا الفكر بتفاصيله، وكل الآيات اللي بيستخدمها الأريوسيين لدعم آرائهم.. وإجابة أنسلم لا تختلف كثيرًا عن إجابة أثناسيوس وكيرلس..  أمّا الكلام عن الرغبة الطبيعية لحفظ الذات فدي بالضبط فكرة ق يوحنا ذهبي الفم الذي يقول: ”الطبيعة البشرية تفضل ألا تُنزع من الحياة الحاضرة وتجفل وترتد من الموت. لماذا؟ لأن الله غرس في الطبيعة البشرية حب لحياة هذا العالم“.[1]  وإلا انتحر الإنسان لأتفه الأسباب. شرط أساسي عند أنسلم أن تكون ذبيحة المسيح طواعية مش مقيدة بأي ضرورة أو إجبار من أي نوع. يُتبع


[1]  ق يوحنا ذهبي الفم، مساو للآب في الجوهر، ترجمة نشأت مرجان، دار النشر الأسقفية، ص 30.

محاكمة كتاب أنسلم أسقف كانتربري- ج2



الجزء الأول
فصل (4): بوزو بيقوله ده كلام مينفعش مع غير المؤمنين (بالنسبة ليهم دي أحلام). فقاله أنسلم إن أكرم خلائق الله، الإنسان يعني، كان سيهلك بأسره لو لم يمد الخالق له يد الخلاص..
فصل (5): بوزو قاله الأسهل أنه يرسل ملاك ليخلصه.. أو يخلق إنسان مش من الجبلة الخاطئة- زي ما خلق آدم في الأول- ويفدي بيه الإنسان. فرد أنسلم ”الذي يفدي الإنسان من الموت الأبدي يكون من حقه السيادة عليه فيصبح الإنسان ملكًا له شرعيًا“ ويصير الإنسان عبدًا لمن افتداه.
فصل (6): عبارة عن مجموعة كبيرة من الأسئلة اللي بيقدمها بوزو واللي بيقول إن غير المؤمنين بيعيرونا بيها: من هذه الأسئلة ما يلي:
-        أنتم بتقولوا إن الخلاص فداء (تحرير)، طب فين السجن ده اللي مكنش نافع يحرركم منه إلا بالطريقة دي؟
-        ليه بالطريقة دي لما يقدر بكلمة منه.. إرادة منه.. يحررنا من إبليس أو من خطايانا أو من جهنم؟ وإلا كان في استهانة بحكمته لو مفيش داعي لكل اللي عمله؟ 
-        وكلامكم أن ده بيظهرلكم محبة ربنا.. ملوش دليل إلا إذا تعذر خلاص الإنسان بطريقة أخرى؟
فصل (7): بيبدأ أنسلم يشرح أنه لا يوجد شيء غير معقول إن الله يريد خلاصنا بهذه الطريقة.. وإذا كان المعترض مش هاقدر يبقبل التجسد علشان فيه هوان لله.. فالمسيح لم يتحمل الهوان بحسب لاهوته ”لأنها مترفعة عن كل ألم“ بل بحسب طبيعته البشرية.. وبالتالي طبيعته اللاهوتية لم يطالها أي هوان.. بل بالعكس الطبيعة الإنسانية هي اللي تعالت وتسامت. بيسأله بوزو: إزاي ربنا يكون بيتعامل بالعدل ”وما هذا العدل الموجب تسليم أبر الناس إلى الموت عن الذنب. وأي قاضي يحكم بقتل البار لإطلاق سبيل المجرم“. أنسلم بيحل الإشكالية دي ببساطة شديدة وهي أن الله ”لم يجبره على الموت إجبارًا.. ولا سمح بإماتته رغمًا عنه؛ إنما ذاك نفسه من تلقاء إرادته قد وضع حياته باختياره ليخلص الجنس البشري“.

التعليق:
في الفصل (5) في فكرة آبائية بامتياز. ق أثناسيوس في رده على الأريوسيين اللي قالوه إن آيات زي أع 2: 36 أن الله جعل المسيح ربًا مسيحًا.. وبالتالي حصله ارتقاء.. كان رد الآباء ”لم يقل بطرس إن جوهر الابن قد صنع (أو جُعل). بل إن ربوبيته علينا هي التي حدثت حينما حينما صار إنسانًا، وأنه بافتدائه الكل بالصليب، قد صار رب الجميع وملكًا عليهم“. ”لم يبتدئ أن يصير عندئذٍ ملكًا وربًا، بل ابتدأ أن يُظهر ربوبيته، وأن تمتد ربوبيته حتى على الذين يعصونه“.[1] من خلال الفكرة دي نقدر نقول إن أنسلم عنده حق في فكرة أن اللي هيفدي الإنسان هيبقى ربه وهيكون ليه السيادة عليه.  
أمّا فكرة أن الله أو اللاهوت غير قابل للتألم، فدي برضو فكرة أبائية سليمة شرحها ق كيرلس كثيرًا في رسائله لنسطور ويوحنا الأنطاكي. أخيرًا فكرة كيف يسلم الله البريء وفي نفس الوقت يكون عادل.. فرد أنسلم منطقيًا مظبوط.. المهم أن الفادي عمل كده بإرادته غير مرغم- والفكرة دي أساسية وجوهرية عند أنسلم. واحد هيقول فين دلوقت الشخص اللي بيموت بدل حد، والقاضي بيسمح بكده.. أقول عندك حق: لكن النهاردة بنشوف الجندي اللي بيفدي شعبه، والطبيب اللي بيخاطر في حياته لإنقاذ المرضى. هنتعرض للفكرة دي أكتر بعد كده. يُتبع.


[1]  ق أثناسيوس، ضد الأريوسيين، مراجعة د جوزيف موريس، المركز الأرثوذكسي، ص 172- 173.

محاكمة كتاب أنسلم أسقف كانتربري- ج1


محاكمة كتاب أنسلم أسقف كانتربري
”لماذا تجسد الكلمة؟“  

فيما يلي هاقدم الأول استعراض وملخص لكتاب أنسلم ”لماذا تجسد الكلمة؟“ (Cur Deus Homo) وتحليل لاهوتي وآبائي بعد الجزء اللي بلخصه من كتاب أنسلم.. وبعد كده هاحاول أعمل تقييم أو نقد إجمالي بعد الانتهاء من تلخيص الكتاب والتعليقات اللي هاكتبها بعد كده:  (هاعتمد على الترجمة العربية الي في الصورة دي- وفي أجزاء هاكون برجع ليها في الترجمة الإنجليزية).
الجزء الأول
فصل (1): هدف الكتاب إجابات عقلانية لشرح الفداء. على طريقة الحوار بين بوسو وأنسلم. 
فصل (2): يرى أنسلم أن موضوع الفداء متشعب ويستلزم فهم أمور أخرى في الإيمان.. وأنه مهما قولنا هيظل في أمور ”شتى غامضة مكنونة“. ويقول له المحاور (بوزو) أنه إذا قال شيئًا مخالفًا للكتاب المقدس؛ فإنه سينبهه لذلك.
فصل (3): يتضح أن اعتراضات غير المؤمنين هي في وضاعة التجسد بما يصاحبه من ضعف.. وحقارة الصليب بما يصاحبه من إهانة. ويقول إجمالاً عن الفداء ما يلي: ”لأن فداءه لنا كان بطريقة عجيبة ليس لعقلنا الإنساني العاجز أن يتصورها.. فقد كنا غارقين في حمأة الرذائل.. فرفعنا إلى حالة الطهارة.. وأنقذنا من العقاب الذي كنا نستوجبه بالعدل والحق..“
 ويقول لو أن غير المؤمنين تأملوا إن دي كانت طريقة ”تجديد الجنس البشري“ لشكرونا بدل ما بيستهزأوا بينا. هذه الطريقة فيها توازيات: بآدم الأول معصية وبالثاني حياة.. وبامرأة نشأت الخطية.. وولد رئيس تبريرنا من امرأة برضو.. الشيطان غلب الإنسان بالشجرة.. والمسيح غلب الشيطان بالموت على الخشبة.

التعليق:
أولاً عاوز أقول يُحسب لأنسلم هنا التعبير بأن الفداء ده شيء عظيم مفيش حاجة تقدر توصفه بالكامل، ويُحسب ليه أنه حتى مع قوله بأن الفداء هو إنقاذ من العقوبة العادلة إلا أنه بيوصف ده بأنه تجديد للبشرية كلها. في البداية تعبيره بأنه أنقذنا من العقاب.. مش لازم يكون بدلية عقابية.. لأنه مقلش أن المسيح أتعاقب بدلنا- هنرجع للنقطة دي بعد كده.. لكن وصف حالتنا إحنا بعد السقوط بأنها عقوبة دي شيء معتاد.. فمثلا ق يوحنا ذهبي الفم بيقول: ”فلو أن ملكًا قد رأى سارقًا ومجرمًا وهو يُعذّب، ثم وضع ابنه الوحيد لكي يبذل نفسه عنه، وحوَّل العقوبة عن المجرم ونقلها إلى الابن الذي لم يكن مجرمًا، ليس فقط عقوبة الموت، بل والخطية أيضًا، وذلك حتى يُخلص المدان، وينقذه مما التصق به من صفة سيئة، وبعد كل هذا رفعه إلى أعلى مرتبة. ثم بعد هذه المحبة.. حدث أن أهان الملك الذي أحسن إليه، ألا يُفضل أن يموت آلاف المرات.. على أن يصبح مذنبًا بكل هذا الجحود؟[1]
أمّا عن فكرة التوازي الأخيرة، فهي فكرة ق إيريناؤس بامتياز: في كتابه شرح الكرازة الرسولية يقول ق إيريناؤس: ”ولأن الجميع أقتيد إلى الموت بسبب عصيان أبونا الأول، آدم، كان مناسبًا وضروريًا أن يبطل نير الموت بواسطة ذاك الذي صار إنسانًا لأجلنا“ (فقرة 31). و”كما أنه بسبب عذراء عاصية، حواء، جُرح الإنسان وسقط ومات، هكذا أيضًا بسبب عذراء مطيعة.. أُعيد الإنسان إلى الحياة“ (فقرة 33)، و”الخطية التي حدثت بواسطة الشجرة، أزليت بواسطة الطاعة على الشجرة (الصليب)“ (فقرة 34).[2] (يُتبع)



[1]  يوحنا ذهبي الفم، تفسير كورنثوس الثانية، ترجمة د سعيد حكيم، عظة 11، المركز الأرثوذكسي، ص191- 193.
[2]  إيريناؤس، كتاب الكرازة الرسولية، ترجمةد نصحي عبد الشهيد، ود جورج عوض، المركز الأرثوذكسي، ص 97- 99.

الأربعاء، 1 أبريل 2020

تفسير سفر المزامير- ج1 ق باسليوس الكبير



ترجمة د سعيد حكيم، مراجعة د نصحي عبد الشهيد، بمعرفة المركز الأرثوذكسي، في 270 صفحة (قطع متوسط). وهو عبارة عن ترجمة 7 عظات فقط من هذا العمل.
هشارك ببعض الأفكار المتناثرة اللي عجبتني في هذا الكتاب.
العظة الأولى
بيقول فيها أن المزمور ”ينتزع الدموع من القلب المتحجر“.. وبيعلم مش بالقهر ولكنه ”يخترق نفوسنا بالنعمة والفرح“. بيعلق على المزمور الأول وبيقول ق باسليوس حاجة جميلة هي: لماذا سُميت الحياة بالطريق؟ يجيب ق باسليوس الكبير:
الحياة تُسمى بالطريق لأن كل واحد يُولد هو في مسيرة نحو النهاية. زي اللي نايمين في سفينة.. هتمشي بيهم لحد النهاية.. هكذا نحن في زمن حياتنا.. بواسطة الحركة المستمرة.. يتجه كل منا نحو نهايته.. هناك طريق يركض فيه جميع البشر، يتعجل كل واحد منا ليصل إلى نهايته.. أنت سائر بلا عودة في هذه الحياة، تُسرع الخطى في كل شيء، وتترك كل شيء خلفك. ترى في الطريق نباتًا.. عشبًا.. ماءً.. شيئًا يستحق المشاهدة.. تبتهج لبرهة. وتصادف وديانًا.. صخورًا.. وحوشًا.. أشواكًا.. أشياءً تسبب الانزعاج.. فتغتم لوقت قليل.. لكن بعد ذلك تتركها خلفك.. هذه هي الحياة.. فلا الأمور المفرحة دائمة.. ولا المحزنة تستمر.. لا الطريق لك.. ولا الأمور الحاضرة ملكك.. أما السائرون على الطريق، فبمجرد ما يترك الأول أثر القدم على الأرض، يدوس الثاني على الفور، ثم يأتي التالي له“(ص 62).
في نفس العظة بيبان تأثره بأوريجانوس في فكرة إن ”ممارسة الخطية التي تجذرت وتأصلت في النفس تصبح مع مرور الزمن، غير قابلة للشفاء؛ لأن العادة في الغالب تتحول إلى طبيعة“ (ص 66). والكلام ده قاله العلامة أوريجانوس في كتاب المبادئ، في سياق تشككه في خلاص الجميع (والشيطان) بسبب الحكاية دي.. أنه بسبب التمرس على الشر.. ربما لن تلين إرادة الأشرار- ده إن صحت فكرة الخلاص الشامل (الأبوكتاستاسيس) اللي كان بيتكلم عليها.
العظة الثانية
بيظهر كمان اهتمام ق باسليوس بشرح عنوان المزمور وحل الإشكاليات النصية.. يعني بيعمل نقد نصي بالشكل الحديث. لما المرنم بيقول ”قم يارب بغضبك“ (مز 7: 6) بيقول ق باسليوس ”لن ينتقم لي، بل لوصيتك التي أعطيتها أنت، والتي أحتقرت (83). هل الكل هيدان بنفس الطريقة؟ يقول ”أنا أعتقد أن كل من أخذ الجسد الترابي.. لم يُهان من قبل الديان العادل، بطريقة واحدة؛ لأن العوامل الخارجية والتي تختلف تمامًا بالنسبة لكل منا، تجعل إدانة كل واحد مختلفة عن الآخر“ (85). وبيقول إن اليهودي سيدان بطريقة مختلفة عن السكيثي (البربري) اللي اتربى على العنف..
هل الله يدين؟ يقول ”الله قاض عادل.. ولا أن يكون لديكم فكرة وضيعة عن الله حتى تعتقدوا أنه يستحيل أن ينتقم، لأنه هو أيضًا جبار“. طب ليه مش بيعاقب الخطاة مباشرة؟ لأنه طويل الأناة (94). الأكثر من كده أنه على الآية التالية ”إن لم ترجعوا يصقل سيفه“ (مز 7: 12) يقول ق باسليوس: ”كما أن الذين ينظفون الأسلحة يُظهرون بهذه الطريقة حماسهم للحرب، هكذا الله أيضًا، لأنه أراد أن يوضح رغبته في العقاب، قال إنه يصقل سيفه“ (94)، وبعد كده بيقول إن ”أدوات العقاب تكون على أهبة الاستعداد لعقابه“ (95) أي الخاطئ.
العظة الثالثة
دي عبارة عن عظة جميلة عن الربا والقروض.. وإزاي المرابي ده بيفقر الناس.. وإزاي اللي بياخد قروض ده بيدمر نفسه وبيضحي براحته ونومه.. وإزاي ”المقترض هو عبد للمقرض“ (109). وأن الفوائد على القروض هتزيد من فقرك..
العظة الرابعة
نيجي لسؤال خطير جدًا هنا، وهو ”هل الله يهان بخطيتنا؟“.. السؤال من عندي بس تعالوا نشوف ق باسليوس بيرد على السؤال ده إزاي. يقول: ”إذا كنا نقدم مجدًا لله بواسطة الأعمال الصالحة، هكذا نحن نصنع العكس بواسطة ممارسة الأعمال الشريرة“ (129). ثم يقتبس من الكتاب المقدس أم3: 9، إش 52: 5 اللي اقتبسها بولس في رو 2: 24 عن أن اسم الله بيجدف عليه بسببنا، وبيجيب كلام بولس في رو 2: 23 ”أبتعدي الناموس تهين الله؟“ ثم يقول ”إن الاحتقار والتعدي للناموس يعتبر إهانة للمشرع (واضع الناموس)“ (129)، وبيضرب مثل بيت فيه غضب وصياح وضجيج وشتائم وضحكات وفسق ”فإن خزي هذه الأعمال يأتي على قائد ومدبر هذا البيت“ (130) ثم يقول ”كما أن الله يتمجد بالأعمال الصالحة، هكذا فإن العدو الشيطان يتمجد بالأعمال الشريرة“. لما آخد أعضاء المسيح وأخليها أعضاء زانية يبقى بنقل ”مجد مخلصي إلى مهلكي“. ثم يختتم قوله ”إذًا لنخف لئلا نعطي مجدًا للشيطان بخطيتنا، فنكون قد سلمنا أنفسنا معه إلى الخزي الأبدي“ (130).  
في تعليقه على آية ”صوت الرب يقطع لهب النار“ (مز 29) يقول إن النار ليها قوتين: قوة حارقة وقوة منيرة مشرقة. ”الأولى تلهب وتحرق وتستمر قوة النار العقابية لأولئك الذين ستحقون أن يحرقوا، أما القوة المنيرة المشرقة فهي تعطى للأبرار كميراث.. نار الجحيم تصبح ظلامًا.. أما في موضع الراحة فالنور لا يحرق“ (145).
العظة الخامسة
ما هو غضب الله؟ في تعليقه على آية ”لأن غضبه في سخطه“ (مز 30) يقول: ”هناك غضب في سخط الله، كما لو كان الغضب هو نفسه السخط، إلا أن الفارق كبير. السخط إذًا هو قرار الله أن تُفرض بعض العقوبات القاسية على من يستحق العقاب. أما الغضب فهو الألم، والعقاب الذي قضي به الديان العادل بقدر الظلمك الذي ارتُكب“ (167).
العظة السادسة
شيء جميل اللي بيعمله ق باسليوس في تعليقه على آية ”كل أعماله حق“ (مز 33).. وبيقول طب إزاي الحق في الحجر أو الحيوانات.. فيخدنا فيما يعرف بإثبات وجود الله من خلال التصميم الإلهي في الكون.. ”لو انتبهت للسماء.. يكون لك مرشدًا إلى الحق.. وإن لاحظت الترتيب والنظام.. يزداد إيمانك بالله.. حتى الحجر إن فحصته فإنه يحمل دليلا على قجرة الخالق.. بل والنملة أيضًا والحشرة الدقيقة والنحلة.. لا تقل إن هذه الأعمال البديعة قد صارت بالصدفة.. لا يوجد شيء في الخليقة بدون هدف“. ده اللي بيسموه الحجة المرتكزة على التصميم argument from design أو الحجة الغائية teleological argument في إثبات وجود الله.
ما علاقة عدل الله برحمته؟ يجيب ق باسليوس كالآتي:
يحب الرحمة والإنصاف. ومن رحمته تمتلئ الأرض“ (مز 33: 5). يعلق قائلاً: ”لو وجد إنصاف (عدل) الله وحده.. وفجأة بدأ يجازينا بحسب أعمالنا، فأي رجاء سيكون لنا؟ ومن من سائر البشر سيخلص؟ لكنه يقول الآن "يحب الرحمة والإنصاف" كما لو كان الله قد وضع الرحمة إلى جواره، وأظهرها من عرش الإنصاف الملوكي، وهكذا يقود كل أحد إلى الدينونة العادلة... فلا رحمة بدون إنصاف، ولا عدالة بدون رأفة. هذان مرتبطان فيما بينهما: أي الرأفة والدينونة.. فلا الرحمة تثير الخمول والكسل.. ولا الدينونة وحدها تدعو إلى اليأس والقنوط. يريد الديان أن يرحمك.. إذا وجدك متضعًا. إما إن رأى قلبًا غير تائب.. يفضِّل لك المجازاة والمحاكمة. إنه يستخدم الرحمة مع التائبين، والعقاب مع غير التائبين“. (190- 191).

العظة السابعة

ما معنى آية ”هلم أيها البنون.. فأعلمكم مخافة الرب“ (مز 34: 11)؟ ق باسليوس بيقول مش كل خوف يعتبر نوع من الصلاح.. ومش كل خوف يعتبر خوف خلاصي أو محرر.. في خوف من العدو وخوف من الموت.. وده نوع وحش. لكن الخوف المخلص.. الخوف الذي يقدس.. الخوف الذي ينشأ من الحرص والاهتمام.. هو ”عندما تريد أن ترتكب خطية ما، فكر في القضاء الرهيب، وغير المحتمل الذي للمسيح له المجد.. حيث يجلس الديان فوق عرش عالٍ.. وتُعرض أمامه كل الخليقة، مرتعدة من حضوره الممجد“ واللي كانت حياته شريرة.. بيظهرله ملائكة مخيفين.. بيتنفسوا نار.. وشوشهم شبيهة بالليل المظلم.. ثم ”توجد هوة عظيمة.. وظلام لا مخرج منه، ونار بدون وهج ولمعان“، ثم توجد ”مجموعة من الحشرات السامة.. تأكل بشراهة، ولا تشبع أبدًا“، ثم يكون ”الجحيم الذي هو أكثر فزعًا ورعبًا من كل شيء، العار والخزي الأبدي“.. هذه هي الأشياء التي يجب أن تخاف منها (ص 239- 241). 

الجمعة، 27 مارس 2020

نصوص آبائية عن الصوم


ق يوحنا ذهبي الفم- عظة عن الصوم
دي عظة ألقاها في الاستعداد للصوم الأربعيني بيقول فيها أن موسى وإيليا بالصوم تحدثا مع الله. وأن وصية عدم الأكل من الشجرة هي نوع من الصوم، وده كان أمر ضروري جوه الفردوس، فكم بالأحرى وإحنا خارج الفردوس. الصوم اختطف نينوى من قبضة الموت وردها إلى الحياة. ”وباحتقار الصوم أتت عقوبة الموت، وبإكرام الصوم تُرفع العقوبة“.
في العظة دي بيحكي عن صوم نينوى وعنيونان اللي فكر يهرب فيخاطب يونان قائلاً:
ألم تسمع النبي يقول: أين أذهب من روحك ومن وجهك اين أهرب.. هل ستذهب إلى الأرض؟ اسمه "للرب الأرض وملؤها" ربما تقول إلى الجحيم؟ "إن فرشت في الهاوية فها أنت". أم ستقول إلى أقاصي البحر؟ الخطية تؤدي بنا إلى هذيان عظيم! هل هربت بعيدًا عن الرب؟ البحر أيضًا هو عبد لله، بفعل ما يأمره سيده. كان البحر مثل العبد المطيع، الذي تقابل مه عبد آخر سرق شيئًا من سيده وهرب، فلم يتوقف عن غزعاج من تستروا على العبد السارق حتى يأخذه ويعيده إلى سيده، هكذا البحر فعل!!


ق باسليوس الكبير- الصوم المقدس
دول عظتين برضو قدمهم ق باسليوس في الأحد الأول من الصوم الأربعيني.. بيقول فيهم إن الصوم صحة للنفس والجسد، والصوم بيميت الخطية داخل النفس. وبيقول لازم نصوم بأمانة مش تمثيل: ”في هذه الحياة نجد الأغلبية من البشر كأنهم على مسرح يلعبون أدواراً تمثيلية، فهم يحملون في القلب أمورًا دفينة بينما يظهرون للناس أمورا مغايرة .. لا تضع قناعًا على وجهك بل عِش على حقيقتك“. ثم يتطرق لفكرة أن الصوم أقدم من الناموس نفسه، والبداية كانت في جنة عدن (زي ما قال ذهبي الفم). وإن الإنسان مارس الصوم في الفردوس.
الصوم يمتدحه الأطباء.. الجسم لما بيتثقل بالتخمة بيصاب بأمراض كثيرة. ”فلتعطي الفم مهلة لتستريح البطن“. الصوم يخليك تهزم شهوات الجسد. ويعلمك الاعتدال في الزواج. بيخرجنا من الإدمان ”لأنه كما يطرد الدخان النحل كذلك الإدمان يطرد المواهب الروحية“.
 الصوم كمان تقليد آبائي ”ليت حديثنا يمضي نحو فحص أقدمية الصوم، وكيف أن كل القديسين حافظوا على هذا التقليد الآبائي الذي استلموه وسلموه إلينا“. ق باسليوس كأنه بيشرح بإسهاب القسمة بتاعة الصوم وإزاي نجى الفتية ودانيال وأصعد إيليا.. إلخ.   
الصوم يرود النفس.. وبيذكر تشبيه هنا لافت.. وهو أن الخيول قبل السباق بيقللوا الأكل ليها. المعدة وهو مش مليانة مفيدة في المشي وفي النوم كمان. يعني الصوم عند ق باسليوس أحسن من الريجيم بيحافظ على الصحة وبيخلصنا من الدهون المترهلة. لكن من ناحية تانية ”الصوم الحقيقي هو في الابتعاد عن الشر وفي عفة الكلمة وفي البعد عن الغضب وفي الانفصال عن الشهوة وعن التجديف وعن الكذب.. البعد عن هذه الأمور هو الصوم الحقيقي“.      


ق ساويرس الأنطاكي- الصوم
العظة دي ترجمها يوسف حبيب عن الفرنسية وقد ألقاها ق ساويرس في بداية الصوم الأربعيني. وبيقول فيها إنه طالما في مسافة كبيرة بين العالم الروحي والعالم المنظور فقد ”خلق الله الإنسان بفعل عجيب ووضعه بين الاثنين“ بجسد من طين، ونفس عاقلة روحانية غير مادية علشان ”يذكّر الإنسان بالعالم المنظور بجسده، وبالعالم غير المادي الروحاني بروحه“. علشان كده الإنسان منتصب مش منحني لاسفل بفضل الروح العاقلة اللي ليها السلطان ومنها يستمد التوجيه.
بيقتبس من حك9: 15 عن ”الجسم البالي يثقل العقل الكثير الهموم“. هذا الوضع صار بالسقوط.. الجسد بيجذب الروح لأسفل. قبل كده كان الروح هو اللي بيجذب الجسد لأعلى. والصوم يرجعنا إلى الحالة الأولى وتذكرة الروح بكرامتها الأولى. الصوم بيعمل نوع من التوازن.. ويعطي فرصة للروح لترتقي بالجسد لأعلى. الرسل كانوا بيصوموا.. فهل هما محتاجين للصوم وأنت الخاطئ مش محتاج.

البابا ثيؤفيلوس- التوبة والصوم

بيتكلم عن ملاك الصوم اللي لما نصوم هيجي ويقتلع الزروع الشريرة اللي زرعها الشيطان في قلوبنا ويزرع مكانها ثمار الروح. التوبة.. بدل الغضب طول أناة، بدل الكبرياء اتضاع، بدل العداوة سلام، بدل النجاسة والتراخي صلاة وسهر وتأمل في المزامير.. ويتغني بالتوبة ويعتبرها هي طعام الجوعى ونبع ماء الحياة الأبدية للعطاش.. ”أيتها التوبة أنتِ عون الذين يأسوا من أنفسهم!“ ”التوبة تجعل الإنسان يُبسط جناحيه كالنسر، ويصعد إلى أعالي السماوات من خلال فضائلها الروحية“.  

يوحنا كاسيان (الأوجاع الثمانية- روح النهم)
بيقول كاسيان بالنسبة للصوم لا يمكن بسهولة اتباع قاعدة موحدة، لأنه ليس الأجساد لديها نفس القوة (العمر/ الجنس.. إلخ)، في حد ميقدرش يصوم لحد الغروب. يؤكد أن الضعف الجسدي لا يقف عقبة في طريق نقاوة القلب طالما تؤخذ هذه الأمور كمتطلبات للجسد وليس للذة. ولا يكفي الامتناع عن الطعام فقط بالإضافة إلى اقتناء الفضائل. واللي ميقدرش يمسك شهيته (العدو الأضعف) ميقدرش يمسك شهوته (العدو الأقوى). الأولى معركة سهلة (معركة المعدة) والثانية المعركة الأصعب (معركة الروح). التأمل في الإلهيات هيساعدنا منركزش على ملذات الأكل.
يحكي كاسيان أن الأصوام كانت تُكسر عند استقبال الأخوة (فيما عدا الأصوام القانونية للكنيسة) بلا سجس. ثم في الآخر يورد قولاً للمبارك مكاريوس يقول فيه: ”ينبغي على الراهب أن يهتم بالصوم كما لو كان سيعيش في الجسد مئة عام، ويهتم بكبح تحركات الذهن وينسى الإهانات ويرفض الحزن- كما لو كان يوميًا على شفا الموت“. لأنه في الحالة الأولى التمييز مفيد وسليم وإلا مكن تحصل كارثة بسبب ضعف جسدي. لكن اليقظة في الحالة الثانية مهمة جدًا لأن الإنسان ممكن يموت في أي لحظة.

يوحنا كاسيان (المحاورات- محاورة 21)
يقول فيها أن الأكل في حد ذاته مش خطية طول ما هو يتناول بالشكر، وكل شيء طاهر للطاهرين، والاكل ده أمر ”سيان“- وأعتقد الفكرة دي واخدها من أوريجانوس. الأمر السيان زي الجواز مثلاً؛ لو اتجوزنا شيء مقدس، ولو متجوزناش لن نهلك. نفس الحكاية الصوم والرهبنة. ثم يفرق بين الوصية والأمر.. وما يؤمر به على نحو مطلق، يعني لو معملنهوش يبقى في عقوبة الموت. وما يُوصى به، الذي عندما يُعمل يكون مفيدًا وعندما يُهمل لا يجلب عقاباً. هل تفتكر الصوم إيه بقى: أمر أم وصية؟
على الأغلب كاسيان بيتكلم عن الأصوام الشخصية للراهب وليس الأصوام القانونية للكنيسة. اللي بيأكد كده أنه في البداية بيسأل الأب ثيوناس لماذا لا نحنى ركبنا في الخماسين، فيقول إنه حتى لو مش عارفين السبب يجب أن نسلم بسلطة الآباء وبعادات أسلافنا وأن نراعيها باعتبارها مسلمة من القدم.
بيذكر شروط جواز كسر الانقطاع: - الترحيب بأخ (وإلا كنت فظًالا تحب أخاك)، و- ضعف الجسد (وإلا كنت قاتل جسدك). واللي يصوم في موسم الاحتفال لا يتعبر عندنا متدين، بل غير معقول. ويقول إن الامتناع عن الطعام ليس شيئًا صالحًا في ذاته- ليس لذاته، ولكن بأعمال أخرى. الفضائل مش غايتها أن أصوم، لكن الصوم غايته أو أوصل للفضائل. ”لأن الأدوية وفن الحدادة والمهن الأخرى لا تستخدم من أجل الأدوات الخاصة بهذا العمل“. ويؤكد مرة أخرى لكنه أمر ”سيان“. ويجب مراعاة التمييز ”علينا أن نضع في إحدى الكفتين، نقاوة أنفسنا، وفي الأخرى قوتنا الجسدية.. ونزنهما بحكم حقيقي حتى لا نميل بإصرار إلى أي من الكفتين، سواء إلى صرامة غير واجبة، أو إلى استرخاء مفرط“.