السبت، 8 سبتمبر 2018

رؤيا إشعياء- ق يوحنا ذهبي الفم



بيانات الكتاب:
رؤيا إشعياء للقديس يوحنا ذهبي الفم
وهو عبارة عن ترجمة ل 6 عظات عن سفر أشعياء وبالتحديد رؤيا إشعياء في إش 6
ترجمها د. جورج فرج، وراجعها د. جورج عوض
ونشرت بمعرفة المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية
في حوالي 230 صفحة (من القطع الصغير)

هذا حوار تخيلي مع ق يوحنا ذهبي الفم، بعد قرائتي لهذا الكتاب:
المحاور (أنا عادل): أبي القديس العظيم يوحنا ذهبي الفم، خطيب أنطاكية المفوّه، وبطريرك القسطنطينية، فلتسمح لي أن أجرى معك هذا الحوار حول كتاب عظاتك على سفر إشعياء، لنغتني من علمك ونستنير بحكمتك.
ذهبي الفم: بكل سرور أيها الابن المبارك عادل.
المحاور: لاحظت في بداية عظاتك أنك تفضّل الرزانة والهدوء في الصلاة عن الحماس الزائد؟
ذهبي الفم: ربما ما أنتقده أكثر من مجرد حماس زائد، أنا أنتقد ”الصياح غير المفهوم الذي يُظهر عدم انضباط نفسك المترنحة“ (ص68) و انتقد ”اللهث العنيف المتلاحق“ الذي يجعل الصلاة ”تمتمة بلا معنى“ (ص69). هذا الأسلوب لا أحبه ولا يليق ويشبه ”المقلدون (على المسرح) والراقصون“، وقد شبهتهم في عظتي ب ”المجاذيب“ (ص67).
المحاور: لاحظت إنك في منهجك التفسيري، تهتم بالمترادفات، يقول إش أنه رأى السيد على كرسي "عال" و "مرتفع"، الكلمتان مترادفتان، هل ترى بهما أي اختلاف؟
ذهبي الفم: نعم، هناك اختلاف، عزيزي عادل لا يوجد شيء زائد في النص الكتابي، وهذا مبدئي التفسيري، ولابد أن نجتهد في فهم الحكمة من إضافة هذه المترادفات. أرى أن كلمة عالٍ ”توحي بمعنى العُلو مقارنة بالانخفاض“ لكن مرتفع تعني ”فائق العلو“ أي غير مدرك. وهذا محور كتاب آخر لي بعنوان ”الله الذي لا يمكن إدراكه“ قد نتحدث عنه في وقت لاحق.
المحاور: بالفعل، يظهر مبدئك هذا في حديثك عما يسميه البعض بالأصحاحات المملة التي لا تحتوي إلا على أرقام وتواريخ وسجلات أسماء.
ذهبي الفم: نعم، ”فلنتعلم أهمية عدد (آية) واحد، أو إضافة حرف واحد، ولنتوقف عن أن نزدري بكل الأسماء“ (ص110)
المحاور: قد يسأل البعض، هل توجد فائدة لهذه الأصحاحات؟
ذهبي الفم: بكل تأكيد. لا يوجد شيء هامشي، فمَن يستخرج الذهب، لا يترك الشذرات الصغيرة (ص108)، والكتاب المقدس ليس ”ذهبًا مخلوطًا بالتراب بل هو ذهب نقي“ كله. هذه الأسماء والتواريخ هي بمثابة التوثيق (ص112). لقد شرحتُ في عظتي أن مواثيق الزواج والمديونيات والعقود.. إن لم يكن مدونًا عليها التاريخ، فهي بلا قيمة“ (ص 122). فإن كان هذا الأمر في الشئون الحياتية بهذه الأهمية القصوى، فكم هو أكثر أهمية وفائدة بالنسبة للأمور الروحية (ص 122).
المحاور: قدمتم قداستكم تفسيرًا لرؤيا إشعياء للسيرافيم ذوي الستة أجنحة؟ ما هو التفسير؟
ذهبي الفم: أرى أنهم يغطون وجوهم بجناحين بسبب مهابتهم للمشهد الإلهي. ويغطون أرجلهم بجناحين علامة على الخشوع (ص75)
المحاور: لكني لاحظت في كلامك أن الملائكة ليس لها أجنحة أصلاً؟
ذهبي الفم: نعم، قلت في العظة الأولى إن الملائكة لا يملكون أرجلاً أو وجوهًا (ص76)، فهي كائنات غير متجسدة. وقلت في العظة السادسة، أن ”جبرائيل ينزل كما لو كان له أجنحة، ليس لأنه يوجد أجنحة لتلك القوة غير المتجسدة، بل دلالة على أنه نزل من تلك الأماكن العلوية جدًا.“ (ص178)
المحاور: لقد اعتدنا أن نرى الشيطان بقرون والملائكة بأجنحة؟
ذهبي الفم: هذا تصور اللاهوت الشعبوي.. أو كما يظهر في أفلام هوليود مثلاً.. لكن الحقيقة أكثر روحانية وسموًا من هذا.
المحاور: رجوعًا لتفسيرك للسيرافيم وأجنحتها الستة، قرأت تفسيرًا مختلفًا لنفس النص في رسائل القديس جيروم، وتحديدًا الرسالة رقم 18 للبابا دماسوس، فهو يقول إن السيرافيم لا يغطي وجهه هو بل وجه الله (ويقصد مشيئة الله المخفية من جهة خلق العالم)، ولا يغطي رجليه هو بل رجلي الله (ويقصد مشيئة الله من جهة انقضاء العالم). هل ينبغي أن نفزع لأنكما مختلفين بدرجة كبيرة في التفسير؟
ذهبي الفم: هذه قراءة أخي ق جيروم، وهو من أحد آباء الكنيسة العظام، وهذه قراءته للنص اللاتيني الذي يحتوى على غموض بعض الشيء. لكن في النهاية كلمة الله غنية جدًا، وتتسع لمعانٍ واسعة. لكن دعني أسألك وأتخذ دور المحاور، هل رأيتنا نهرطق بعضنا البعض، لأننا اختلفنا في التفسير؟
المحاور: لا.. على الإطلاق. فمن خلال قرائتي المتواضعة في تفاسير الآباء وجدت مساحة أو لنقل طيف واسع من التفسيرات المختلفة.
ذهبي الفم: فما بال في عصركم أرى أنكم تهرطقون بعضكم بعضًا على أتفه الأسباب. على الرغم أن أكثر المنتقدين لم يبلغوا شأنًا كبيرًا من حيث الدراسة والتعلُّم.
المحاور: فليغفر لنا الرب بصلواتك يا أبي القديس..
المحاور: لقد تحدثت كثيرًا يا أبي القديس عن الزواج والحب، وأنت في ذلك، حسب رأيي المتواضع جدًا، من أعظم مَن تحدثوا عن هذه الموضوعات، فأنت أفضل مشير أسري بحسب التعبيرات الحديثة، وبالرغم أنك راهب ناسك لكنك تتحدث عن الحياة الزوجية بشكل عملي للغاية، ومدركًا لاحتياجات شعبك، أليس كذلك؟
ذهبي الفم: بكل تأكيد، يتهمني البعض بأنني أرفع البتولية على حساب الزواج.. بالفعل قلت إن البتولية أسمى من الزواج (ص134). لكني قلت أيضًا إن عقد المقارنات لا يجعل الأمور متضادة فيما بينها، ولكن يترك كل منها في مكانه (ص 134)
المحاور: هل تقصد أن تقول إن المقارنة هنا بين البرتقال والتفاح؟
ذهبي الفم: شيء قريب من هذا. قلت أيضًا أن الزواج لم يعيق إشعياء أن يكون نبيًا ويرى محضر الله المهوب. إشعياء كان ”له زوجة وطفلان، ولم يعقه شيء من هذا كله“ (ص173)، ما رأيك في هذا؟ لم أحقر من الزواج أبدًا. وذكرت في موضع آخر أن ”الذي اختبر الزواج لم يفقد النعمة“ (ص203)، وإن ”الزواج ليس شرًا بل الزنا هو الشر“ (ص203). فلم يصر الزواج عائقًا أمام الروح القدس الذي أعطى إشعياء النبوة، بالرغم أنه كان يمارس العلاقة الزوجية مع زوجته (204). أرأيت؟ أنا أعلم أنه يوجد في عصركم مَن يقول إن العلاقة الجنسية شر.. ويحط من شأنها. لكني أقول لك أنها لم تمنع إشعياء من النبوة ورؤية عرش الله المهيب. ثم عددت بعض أمثلة من القديسين المتزوجين مثل موسى ، وإبراهيم، وامرأة المكابيين، ومن العهد الجديد بطرس وفيلبس.
المحاور: أفهم من هذا أنك تنصح بالزواج؟
ذهبي الفم: بشدة!
المحاور: لقد وصفت الحالة العاطفية لمن يخون زوجته أو مَن يمارس الجنس قبل أو خارج الزواج وصفًا رائعًا بل أفضل من أي روائي مقتدر، هل يمكن أن تذكرنا بما قلته في هذا الأمر؟
ذهبي الفم: أي لذة (يقصد من الخيانة الزوجية) يمكن أن يتمتع بها يلازمها خوف وقلق وخطر وتوقع متاعب كثيرة؛ حيث يواجه محاكم ومساءلات وغضب القاضي والسيف والجلاد وكذلك السجن أيضًا، فكل شيء يرعب ويخيف مثل هذا الإنسان: الظلال والجدران والحجارة ذاتها وكأنها تصرخ ضده؛ فهو يرتاب في الجميع، في الخدام والجيران والأصدقاء والأعداء، مَن يعرفون كل شيء ومَن لا يعرفون أي شيء... كيف سيتحمل تأنيب الضمير الذي سوف يلاحقه في كل مكان.. لأنه من غير الممكن أن يهرب المرء من نفسه أبدًا.“ (ص 133)
المحاور: إلى هذا الحد يا أبي القديس، الظلال والجدران تصرخ ضده! تحدثت أيضًا عما نسميه اليوم البورنو أو الميديا الإباحية، وقد انتشرت في عصرنا يا أبي القديس إلى حد يستوجب البكاء والعويل. أتعجب أنها كانت منتشرة في عصركم ايضًا!
ذهبي الفم: الإغواء الجنسي ليس أمرًا جديدًا.. اقرأ سفر الأمثال وستعرف تحذير سليمان من إغواء المرأة الأجنبية.
المحاور: فلتشرح لنا يا أبي القديس مخاطر مشاهدة البورنو أو ما تسميه أنت المناظر الفاسقة؟
ذهبي الفم: قلت إن هذه المشاعد قد ترحل من أمام أعيننا، لكنها ستترسخ في ذاكرتنا و”لكن جروحها لا تنتهي، بل تبقى وتسبب دمارًا وهلاكًا، مثل هلاك غزال قد أصيب بسهم في منطقة قاتلة من جسده، فحتى لو أفلت من يد الصيادين، فإنه لن ينتفع شيئًا.“ (ص 141)
المحاور: ياله من تشبيه رائع: غزال أصيب بسهم قاتل!
ذهبي الفم: أصلي أن يحفظ الله أبناءنا وأطفالنا من هذا السهم المميت!
المحاور: هل لديك نصائح تقدمها لنا لنتجنب هذا؟
ذهبي الفم: ابدأ من الأفكار: ”إذا دخلت أفكار فلنصدها سريعًا، ولا ندعها تبقى طويلاً، حتى لا ندعها تصنع مرعىً من الشر (ص 144)
المحاور: وماذا إذا تورطنا في هذا المستنقع؟
ذهبي الفم: ” إمكانية الشفاء قائمة، وذلك بفضل محبة الله للبشر وصلاحه العظيم غير الموصوف، إذ قد أعدَّ علاجات عديدة لهذا النوع من الجراحات.“ ( ص144)
المحاور: اغفر لي أبي القديس، ودعني أنتقل إلى محور آخر في كتابك، لأول مرة ألحظ أنك تقدّم لاهوتًا سياسيًا، وكلامًا عن علاقة الحاكم بشعبه؟
ذهبي الفم: هذا ليس لاهوتًا سياسيًا بالمعنى الحديث، لكني بحكم وظيفتي كراعٍ لشعب أستطيع أن أضع يدي على الداء والدواء.
المحاور:  في رأيك، هل الشعوب تستحق حكامها؟
ذهبي الفم: أن أوافقك الرأي تمامًا.. لقد ذكرت في عظاتي أن المشكلة في كثير من الأحيان تقع على الشعب وليس الحاكم. ”فحتى لو كان شخص مثل إبراهيم هو الذي يحكم، أو موسى، أو داود، أو سليمان الأكثر حكمة، أو حتى أكثر الناس عدلاً، طالما نحن نسلك بوقاحة، يكون هذا الحاكم لا علاقة له بعلة الشرور“ (83)، وأحيانًا فإن سلبيتنا وفوضويتنا هي التي تصنع هذا الحاكم العاصي.
المحاور: أراك قاسيًا على الشعب.. وحتمًا ستصطدم ببعض أخوتنا الثوريين. كما أنك لم تختبر بعض حكامنا وما  صنعوه فينا.
ذهبي الفم: لا بل أقول: ”إن خطايانا هي سبب هذا الجُرح“ (ص 83)
المحاور: الجُرح كبير يا أبي القديس!
ذهبي الفم: لأن خطايانا كثيرة!
المحاور: عندك حق.. لن ينصلح حالنا إلا إذا غيرنا من سلوكياتنا حتى يخرج منا مَن يحترمنا.. إذا أثبتنا أننا جديرون بالاحترام.
ذهبي الفم: أتفق معك في الرأي.
المحاور: أنا في غاية السعادة أنك تتفق معي في الرأي. لذلك فضلاً عن أنني لا أستحق لكن هذا ليس غريبًا عنك، فأنت لا تفوت فرصة أن تشجع سامعيك وترفع من شأنهم.
ذهبي الفم: هذا هو المفروض يا أبني. أرى أن الاستغراق في تأنيب الناس لا يجدي نفعًا، لكن النفخ في الفتيلة المدخنة- على مثال السيد - يأتي بنتائج أفضل.
المحاور: يا أبي القديس من حين لأخر يظهر أحد الكهنة أو الخدام الفاسدين، ويسبب عثرة كبيرة، كيف نتعامل مع هذه الحالات؟
ذهبي الفم: أقول: ”لا تشوه سمعة الكهنوت عندما ترى كاهنًا غير مستحق، لأنه يجب ألا ندين الوظيفة ذاتها بل من يسيء استخدام الصلاح فيها“ (ص217-218).
المحاور: أنت تقول يجب أن نفرّق بين الوظيفة أو المنصب ومن يسيء استخدامها.
ذهبي الفم: نعم بالتأكيد، فخيانة يهوذا لا تمثل إدانة لمنصب الرسولية (ص218).
المحاور: هذا صحيح!
ذهبي الفم: فضلاً عن أن هذا يحدث في كل الوظائف الأخرى، هناك ”أطباء أعطوا سمومًا بدلاً من الأدوية.“ هل ندين مهنة الطب ككل. (ص218). هناك بحارة أغرقوا سفنًا. هل هذا ذنب مهنة البحرية (ص219)
المحاور: يا أبي القديس كثيرون يستشهدون بقول لغاندي يقول فيه ”لولا المسيحيين لصرت مسيحيًا“ بماذا ترد على ذلك؟
ذهبي الفم: هذا خلط في الأوراق: ”إن رأيت مسيحيًا شريرًا فلا تدن عقيدته (المسيحية) أو الكهنوت، بل لتدن مَن يسيء استخدام الصلاح الذي فيهما.“ (ص219)
المحاور: الكلام معك يا ابي القديس لا نشبع منه على الإطلاق. فكلامك ينير لنا الطريق، ونحن مدينون لك بالكثير.
ذهبي الفم: لا .. بل اعتدت أن أقول لشعبي أنا مديون لكم بالكثير. هذا واجبي،
المحاور: نشكرك على هذا الحوار، ولا تنسانا في صلاتك.
ذهبي الفم: لنرسل للأعالي دائمًا التمجيد الدائم، للآب والابن والروح القدس، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين“ (ص 231)


الجمعة، 7 سبتمبر 2018

قراءة نقدية في كتاب ”صلاة القلب“





بيانات الكتاب
صلاة القلب
تأليف الأب ألفونس وراشيل جوتمان

وترجمه للإنجليزية ثيؤدور وريبيكا نوتينجهام
وترجمه إلى العربية راهب من البرية الشرقية

نُشر بمعرفة مدرسةالأسكندرية للدراسات اللاهوتية
في حوالي 180 صفحة (من القطع المتوسط)

ملحوظة: الملاحظات التالية هي رد على اعتراضات نشرت في فايل pdf وقيلت في بعض الفيديوهات على اليوتيوب، مما اثار انتباهي فقررت أن أقرأ الكتاب وأبدي رأيي الشخصي فيه الذي لا يعبّر إلا عن نفسي فقط. 

يعترض الناقد لهذا الكتاب على عبارة جاءت في (صفحة 15): ”عاش آدم وحواء في علاقة حميمة مع الله، وكانوا يسمعون منه فمًا لفم حيث تخلل أنفاسهم بعضهم البعض كما يقول النص العبري.“ الناقد يقول إن الأرواح لا تتنفس، وبما إن الله روح، إذن فهو لا يتنفس. نحن نقول: بالتأكيد، هذا شيء بديهي، ولكن مَن قال أن الله يتنفس على هذا النحو. هو تعبير مجازي. ومع ذلك، فكلمة ”موحى به“ (θεόπνευστος) معناها ”أنفاس الله“، وحسنًا نصلي بهذا المعنى في إبصالية الأربعاء ”يعلموننا في الكتب المقدس أنفاس الله أن نكون رحومين على الخليقة التي خلقها“. هذه العبارة لا تعني أكثر من قول الكتاب ”نَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ.“ (تك 2: 7). فما معنى النفخ هنا؟ يجوز لنا أن نتحدث عن أنفاس الله ونفخة الله، فلماذا يعترض الناقد على استخدام الكاتب لهذه التعبيرات عن الله.
ثم يعترض الناقد على عبارة وردت في (صفحة 17): ”ولكن يهوه أعلن عن نفسه أيضا "إني أكون معك" ( خر3: 12) فهو الآخر برمته the wholly other ، هو ما وراء كل الأشياء، وهو الاستقلال المتعذر بلوغه... الخالق فى قلب الخليقة. ويتهم بأن هذا نوع من وحدة الوجود Pantheism بحجة أن الله موجود في الآخر.. أي آخر. نحن نقول أن الناقد لا يفهم المعنى المقصود الذي هو عكس اتهامه تمامًا. تعبير ”الآخر برمته“ يعني ”المغاير تمامًا“.. يعني ليس كمثله شيء.. يعني تأكيد على التنزيه المطلق لله.. وهذا عكس وحدة الوجود تمامًا. وحدة الوجود تؤكد على حلول الله بالكامل في الكون دون أي تنزيه له عن الكون المادي. لكن السطر السابق لاقتباس الناقد يؤكد على تنزيه الله: ”أن تعي الاسم يعني أن تدخل في اختبار ثيؤفاني، والذي قد يثير الخوف والارتعاد أمام القداسة، تلك الهوة التي نشأت من خلال التسامي المطلق.“ (صفحة 17). هوة.. تسامي مطلق.. أين وحدة الوجود هنا؟
أما عبارة ”الخالق في قلب الخليقة“.. فبعد التأكيد على تنزيه الله أو تساميه وعلوه Transcendence.. نستطيع أن نقول بمحايثة أو حلول الله Immanence.. وحضوره في الطبيعة.. فبصمته على كل مخلوقاته. التأكيد على أحد الأمرين فقط هو الخطأ.
في صفحة 39 (أو 40) يوجد نقد لعبارة قالها سمعان اللاهوتي الجديد تتحدث عن أن المسيح يتغلغل في جسدنا.. تحت جلدنا.. حتى أطراف أصابعنا.. وهكذا. بالرغم من غرابة العبارة لكن يؤكد الكاتب أن الاتحاد بالله يكون ”بلا اختلاط“، مثل الحديد والنار (صفحة 98).. ونفس الشيء في صفحة 100. الكاتب بيتكلم عن خبرة في الصلاة.. والشعور بحضور الله.. الكاتب يرى أن حضور الله في الصلاة لا يؤثر على الروح فقط. لكن الجسد أيضًا.. ولما لا؟ فالجسد هو وسيط.. هو الأداة. الآباء القديسين كان المجد ينعكس على أجسادهم.. وجوه وأيدي تنير مثل موسى.. الجسد يشترك في العبادة من خلال السجود والتوجه نحو الشرق. الجسد يشارك في ممارسات روحية مثل الصوم. الجسد يشترك في المطانيات.. أجساد الآباء السواح نالت عربون المجد الأبدي من هنا والآن وخفَّت وتجاوزت الحدود الزمنية والمكانية. هل يستطيع الناقد أن ينكر هذا عن أبائنا السواح القديسيين؟ بالطبع لا. وأنا أقول إن هذه النعمة ليست للجميع، لكن إنكار إمكانية حدوث هذا يتناقض مع إيماننا الارثوذكسي عن مفاعيل الخلاص الذي قدمه المسيح لأجلنا مجددًا طبيعتنا البشرية الساقطة.
دور الجسد
الكلام عن وضعية معينة في الصلاة.. مفيش مشكلة فيها طالما ان الكاتب أكد في أكثر من موضع أنها ليست الغاية (ص 42). أيضًا التعود على صلاة يسوع مع انتظام التنفس وخلافه.. يتحدث الكاتب في (ص 46) عن خطورة الاستخدام الآلي لهذه الطرق، وأنها مرة أخرى ليست الغاية في حد ذاتها. هي تداريب الغرض منها تركيز وحصر الذهن.. والاختلاء.. وتجهيز الجسد لخبرة الصلاة. المهم أن الكاتب في (صفحة 83) يحذر من الاعتماد على الذات والعمل بالاعتماد على هذه الحركات بدون نعمة الله. الكاتب بيقول دي البداية.. والبداية نصف الطريق (صفحة 83(. وحتى مع اعتراف الكاتب بأنه يوجد ممارسات شبيهة في اليوجا وخلافه.. لكن الأمر لا يصل إلى ”استدعاء قوى شيطانية“ كما يقول الناقد. هذا إجحاف كبير. حتى الناس اللي بتاخد حصص في اليوجا.. مش بيكون علشان استدعاء قوى شيطانية. أيها الأخ العزيز: ”لا تقتل ذبابة بمدفع!“
يقول الناقد، في عظة مسجلة: إن حدث التجلي يخص المسيح فقط.. اللافت أن كلمة تغيرت هيئته (μεταμορφο) قيلت عنا نحن ايضًا في كلام بولس في رومية 12: 2 ”تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم“. وأعتقد أنه هنا تكمن المشكلة.. خصومة تجاه الجسد.. وانتقاص للإمكانيات التي صارت للبشرية بفضل تجسد المسيح. وتأجيل لكل مظاهر التمجيد إلى المجيء الثاني. مع أن خبرتنا الأرثوذكسية المعاشة يوميًا تؤكد أن الابدية بدأت بالفعل. نحن نقول إن كل حياة المسيح على الأرض وخدمته وموته وصعوده وقيامته هي لحسابنا نحن. وهذا ما يؤكده الرسول بولس: أقامنا معه.. واصعدنا معه في السماويات. فلماذا لا يكون التجلي لحساب بشريتنا؟ ونحن فقط كاقباط وأرثوذكس من نتغنى طوال الوقت عن آباء قديسين تنير أيديهم ووجوههم.. وما إلى ذلك من مظاهر تمجيد الجسد.. وعربون ميراث الأبدية من الآن. لا أدعى لنفسي هذا التجلي، لكن مرة أخرى إنكاره يعني انتقاصًا من مفاعيل التجسد التي بدأت العمل في طبيعتنا البشرية منذ حدث التجسد حتى تكتمل ذروتها في المجيء الثاني.
عن (صفحة 90) ينكر الناقد أن النفخة في يو 20: 22 هي نفخة إعادة خلق. أتعجب! إذن ماذا نفعل وهذا الكلام هو كلام ق كيرلس الكبير عمود الدين. يقول ق كيرلس تعليقا على هذه الآية: إن النفخة هنا علامة على تجديد البشرية مرة أخرى، كما أعطاها النفخة في الخلقة الأولى على صورة الله، يكون بشركة الروح يتغيرون إلى صورة الخالق ومثاله. (انظر شرح إنجيل يوحنا، صفحة 506، ترجمة د نصحي عبد الشهيد، مؤسسة ق أنطونيوس). إذن النفخة هنا ليست نفخة سلطان الكنيسة فقط في الحل والربط كما يزعم الناقد.  
كما ينتقد عبارة أخرى لسمعان اللاهوتي الجديد (صفحة 39) يقول فيها: ”أنا غير المستحق، أنا يد وقدم المسيح! أحرك يدي ويدي هي كلها المسيح، لأن الله قد اتحد بلا تفريق بي.
كيف يُفهم هذا الكلام، وهي لغة صوفية أو مستيكية عميقة وعالية، تذكرنا بكتابات ق مكاريوس المصري. الاتحاد بالله عقيدة إنجيلية.. نثبت في المسيح.. نكون واحدًا فيه.. إلى آخره من التعبيرات. فما المشكلة في ذلك طالما أن كاتب ”صلاة القلب“ يؤكد في أكثر من موضع أن هذا الاتحاد بلا اختلاط. فهو ليس اتحاد على مستوى الجوهر. وبالتالي الكاتب لم يخطئ في شيء. حتى أن صلاة قسمة ”يا حمل الله“ تقول: عند استحالة الخبز والخمر إلى جسدك ودمك تتحول نفوسنا إلى مشكاركة مجدك وتتحد نفوسنا بألوهيتك.“ (لماذا لا نكفر هذه القسمة؛ لأنها تدعونا إلى الاتحاد باللاهوت؟)
القول السابق يُفهم في سياق الافخارستيا.. فالشعور الواجب بعد التناول أنني أخجل من استخدام يدي أو رجلي في شيء يغضب المسيح لأن أعضائي أصبحت أعضاء المسيح. في قول لتريزا من أفيلا بيقول: ”المسيح لم يعد له جسد الآن على الأرض سوى جسدكم، لا أيدي ولا أرجل له سوى أيديكم وارجلكم.. عيونكم هي العيون التي يظهر بها المسيح شفقته على العالم. أرجلكم هي الأرجل التي يذهب بها لعمل الصلاح. ايدكم هي الأيدي التي يباركنا بها الآن.
في (صفحة 115)، يعترض الناقد على فكرة أن البشر هم عوالم مصغرة. ولم يلتفت أن كاتب ”صلاة القلب“ يقول إن الآباء قالوا بذلك. لكن الناقد يقول إن هذا القول ليس لآباء الكنيسة.. وهذا غير صحيح. ق غريغوريوس النيصي في كتاب بعنوان ”عن النفس والقيامة“ يقول إن انتظامية الكون تجعلنا نرى الانسجام بين الأجزاء والكل. ويشرح أن الكون الكبير macrocosm ينعكس في الكون الصغير microcosm ويقصد النفس. ”قال الحكماء إن الإنسان بمثابة كون مصغر يحوي في نفسه العناصر التي يُبنى منها الكون“ (صفحة 34). قال بنفس الشيء ق غريغوريوس النزينزي في الخطب اللاهوتية (ص 65- منشورات النور). وبالتالي الفكرة وإن وجدت عند الحكماء غير المسيحيين، فقد صدق عليها الآباء أو وظفوها. وهذا الأسلوب يتفق مع أسلوب الآباء، الذين وظفوا ألفاظًا ومصطلحات يونانية كثيرة. حتى أن ق غريغوريوس النزيانزي يقول: "إني أوافق على قول القائل، وإن كان القائل من غير جماعتنا". (نفس المرجع السابق- ص57). توجد حقائق في كل المعتقدات والأديان، مش كل حاجة غلط.. لكننا نرى أن المسيح هو الحق المطلق.
في (صفحة 149) يعترض الناقد على عبارة عن أن الله ”يمحو ذاته ذاته كليًا بواسطة الامتزاج بدمنا وجسدنا ونفسنا“. المهم رجعت للنسخة التي في يدي ولم أجد هذه العبارة! وأنا أتفق مع الناقد لأن الله يحترم الأقنومية والتمايز سواء في العلاقة الجوهرية بين الأقانيم أو في الاتحاد معنا بالنعمة. وبرافووو دار النشر إذا التفت إلى هذا وحذفت الجملة. لا أعرف ما الذي حدث.
في صفحة 158 يعترض الكاتب على أن بوذا وشخص آخر يُدعى باتنجالي- مؤسس اليوجا في القرن الرابع قبل الميلاد- قالا آراء مشابهة عن ”اليقظة“. مرة أخرى الأديان والمعتقدات تتضمن بعض الحقائق. ق إكليمندس السكندري كان يقول عن أفلاطون واحد منا. وق يوستين كان يقول أن فلاسفة اليونان هم أنبياء الأمم.. وأنهم اقتربوا من الحق كثيرًا. وهذا مبني على أساس ان أي إنسان هو مخلوق على صورة الله وبه بذار اللوغوس ويستطيع أن يصل إلى الحق بقدر انفتاحه على الحق. لماذا نظن أنفسنا فقط من لدينا كل الحق.. بينما يعيش الآخرون بعيدًا عن متناول نعمة الله. الله يعمل مع الجميع!
بشكل عام الكتاب جيد لكنه من الإجحاف الشديد أن يصير كتاب (يتحدث عن صلاة يسوع والخلاص بالمسيح واللهج بصلاة يسوع ومقاومة خطايا الفتور والكبرياء والغرور) إلى كتاب يدعو لاستدعاء قوى شيطانية عن طريق اليوجا والترويج لأفكار حركة العصر الجديد، وتبني لمذهب وحدة الوجود Pantheism، هذا تقدير غير صادق في تقديري، وينطوي على ظلم كبير، حتى لو اختلفت مع بعض آراء مؤلف الكتاب.     

الأربعاء، 5 سبتمبر 2018

عظات على سفر التكوين- ق يوحنا ذهبي الفم



بيانات الكتاب:
عظات على سفر التكوين للقديس يوحنا ذهبي الفم
ترجمة ل 8 عظات قام بها د. جورج فرج، ومراجعة د. جورج عوض
ونشرت بمعرفة المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية
في حوالي 200 صفحة (من القطع الصغير)

في القرن الرابع، في أنطاكية، قدم ق يوحنا ذهبي الفم سلسلة من العظات في الصوم الكبير، على سفر التكوين. تحدث فيها عن خلقة الكون من العدم، وفي تعليقه على آية ”خلق الله السموات والأرض“ يقول هل خلق السقف قبل القاعدة؟ لكنه يجيب: ”إن الله ليس خاضعًا لما يقتضيه الترتيب الطبيعي، ولا يذعن للقوانين الفنية“؛ لأنه مبدع الموجودات كلها (ص 74).
وفي حديثه عن آية ”لنعمل الإنسان على صورتنا“، يسأل مع مَن يتكلم، ويفند الرأي اليهودي بأن الله كان يتحدث مع أحد الملائكة. ويقول: لو كان يتحدث مع ملاك، فلماذا لم يتحدث معه قبل خلق السموات والأرض، وكيف يقول بعد ذلك ”على صورتنا“. لأن الملائكة ليس لهم صورة واحدة، ومن جوهر مختلف عن الله. ويخلُص إلى أنه كان يتحدث مع الابن، المشير الأعظم. (ص 89، 90).
وفي حديثه عن خلقة الرجل والمرأة، يتحدث عن أن الله خلقمها في مساواة، نفس السيادة والسلطان. لكن بالسقوط، أو بالأحرى كما يرى ذهبي الفم عندما فشلت المرأة في ممارسة السيادة، أصبحت من المتسلط عليها. (ص 113). ويربط بكلام بولس عن عدم السماح للمرأة بأن تعلم الرجل، لماذا؟ لأنها ”علمت آدم مرة بشكل سيئ.. لذلك أنزلها عن كرسي التعليم، لأنه قال مَن لا يعرف أن يعلّم فليتعلم“ (ص 114- 115).
لكنه يقول إن وصية الله بأن يحب الرجل امرأته قد خفف من وطأة هذه العبودية او التسلط. ”عندما يرافق المخافة بالحب؛ لأنه هكذا اختفى ثقل العبودية“ (ص 116). وفي العظة السادسة يوجد نوع من الاستدراك بأنه في حالة الرجل غير المؤمن يجوز للمرأة أن تعلم الرجل! ثم يعطي ذهبي الفم بعد ذلك نوعين آخرين من العبودية أو الخضوع، للملك والسلطات، وهي أصعبهم، ونظام العبيد. وقال أن ده وضع ناتج عن السقوط ولم يُقصد من البداية. لكن العبد اللي هيعيش بالفضيلة هيكون ملك أكثر من جميع الملوك، وأعطى مثال على ذلك الفتية الثلاثة اللي كانوا بيخاطبوا نبوخذنصر من غير ألقاب ومن غير خوف. (ص 140).
تظهر براعة ذهبي الفم في جذب انتباه الشعب عندما دخل عامل ليشعل المصابيح، فأخذ انتباه الناس عن العظة، فإذا به يقول: ”يا لها من لامبالاة هذه أن تتركون وتراقبوه! فأنا أيضًا أشعل النار من الكتب المقدسة، ومن لساني يشتعل مصباح التعاليم، وهذا النور أعظم وأفضل من ذاك، لأننا لا نشعل فتيلة مبللة بزيت مثل ذاك الرجل، بل إننا ننير نفوسًا مروية بالتقوى“ (ص 123) ثم يشجع مستمعيه ويقول: ”لا يظن أحد أن هذا اللوم لا يُحتمل، لأنني لا ألومكم بدافع الكراهية، بل لأنني أهتم بكم.“ هذا الأمر ليس غريبًا عن الخطيب المفوه العظيم.. في كتاب القصد من غموض النبوات، يمتدح سامعيه واصفًا إياهم بالتربة الجيدة التي تأتي بثمر كثير حتى لو كانت البذرة ضعيفة، ويقصد بالبذرة نفسه! ليتنا نتضع ونعرف كيف نشجع الناس!
الشيء الآخر المبدع هو وصفه للشحاذين في سياق حديثه عن فضيلة العطاء للفقراء. ذهبي الفم بيلوم الناس اللي بيمروا على الفقرا والمحتاجين وكأنهم عواميد أو تماثيل مش بني آدامين من لحم ودم زينا.. وبيوصف الشحات بطريقة عجيبة للغاية..  بيقول أنه بيبقى متلهف وخايف النهار يخلص وكل واحد يروح لبيته وهو لسه مجمعش قوت يومه.. عامل زي الغريق اللي بيدور على أي لوح خشبي يمسك فيه قبل ما الليل يجي عليه.. وتكون دي نهايته.. إذ أن ميناء سلامتهم هي تلك الأيادي الرحيمة“ (ص 147).
 علشان كده نفهم ليه الشحاتين أحيانًا بيعملوا تصرفات سخيفة ويقعدوا يحلفوا ويدعوا وحاجات زي دي... 
لكن اللافت أنه بيوصف الشحات الحقيقي وبيقول أنه مش طماع.. كل اللي عايزه قليل من الخبز أو قليل من المال.. والمهم أنه لما بياخد ”لا يكف عن الدعاء“ ولو مخدش ”لا يخرج من فمه كلمة سوء". كمان بيقول إن المحتاج هو اللي بيحي بالمحتاج.. واللي جرب الجوع هو اللي بيحس بالمحتاجين: ”إن البطون المتخمة لا تعرف البطون الجائعة ولكن تلك الجائعة فبسبب احتياجها تشعر أيضًا بمثيلتها من البطون الخاوية للآخرين.“ (ص 146)
تفسير جريء لذهبي الفم
الشيء الجريء هو كلامه عن الشجرة، ولماذا دُعيت بهذا الاسم (معرفة الخير والشر) بالرغم إن طبيعتها ليست فيها معرفة الخير والشر؟؟؟؟ (ص 179). يؤكد هنا ذهبي الفم شيء في غاية الخطورة؛ أن الشجرة من حيث هي شجرة ليس في طبيعتها (النباتية) أي شيء له علاقة الخير والشر. (ليتنا نتعلم.. وليتنا لا نكفر ذهبي الفم أيضًا). يجيب ذهبي الفم على السؤال السابق كالآتي: إن الكتاب المقدس اعتاد أن يسمي الأماكن والأزمنة بناءً على ما يحدث فيها (ص 179- 180).
ويضرب أمثلة على ذلك: زي بئر إسحق اللي اتسمى آبار العداوة لما حصلت خصومة عليه. ”هكذا الشجرة دُعيت بمعرفة الخير والشر، ليس لأن فيها المعرفة، بل لأن عن طريقها صار البرهان لمعرفة الخير والشر.“ (ص 180). ثم أكَّد على فكرته بمثلين آخرين هما: بئر إبراهيم التي سميت ببر سبع (أو بئر القسم)- انظر تك 21، والمكان اللي شاف فيه يعقوب رؤية سماه ”محنايم“ أو جيش (انظر تك 32). هكذا شجرة معرفة الخير والشجرة!   


الأحد، 2 سبتمبر 2018

القصد من غموض النبوات- ق يوحنا ذهبي الفم



بيانات الكتاب:
القصد من غموض النبوات للقديس يوحنا ذهبي الفم
ترجمة د. جورج فرج، ومراجعة د. جورج عوض
لعظتين عن غموض العهد القديم
بمعرفة المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية
في حوالي 150 صفحة (من القطع الصغير)


في هذا الكتاب يظهر مدى توقير ذهبي الفم للكتاب المقدس، فهو يصف النبوات بأنها لجة بحر.. لانهاية له، وبه الكثير من الأعماق (ص 45). هذا البحر نتجاسر ونقترب منه ليس ليس بقوتنا الخاصة ولكن بالنعمة (ص 45). ويؤكد أن صعوبة الأسفار المقدسة ليس بسبب طبيعتها“ بل ”عدم خبرة المستمعين“ (ص 43). ويشبه عدم خبرتهم بمن يصابون بالدوار في البحر لقلة تمرسهم على السفر، ويقول: التمرس يقنعك بأن تزدري بالأمور المخيفة، أما انعدام الخبرة فيجعلك ترتاب وتخاف من توافه الأمور“ (ص 40).
ثم يصيغ ذهبي الفم حجته للقصد من غموض النبوات من خلال الآتي:
1-      لأن الأسفار النبوية تحتوي على أخبار غير سعيدة لليهود عن سبي بابل مثلاً، ويقول فلو لم يقدروا أن يسمعوا عن سبي مؤقت، فكيف باستطاعتهم أن يسمعوا عن العبودية الأبدية (ص 60)
2-         لأن اليهود كانوا سيقتلون الانبياء لو قدموا الاخبار صراحةً (وقدم أمثلة لتعطش اليهود للدماء، وشهادة المسيح بأنهم قتلة الأنبياء، وقتل أسطفانوس ومحاولة قتل بولس.. إلخ)
3-          كان اليهود سيحرقون الكتب النبوية إذا لم تكن غامضة، ويذكر أن هذا ما فعله يهوياقيم (إر 36) عندما سمع جزءً صغيرًا من المكتوب (ص 74)
4-       يرى ذهبي الفم أن غموض النبوات ضرورة، حتى لا يفهم اليهود تبعات مجيء المسيح (مثل إلغاء الناموس، وهدم الهيكل، وتشتيتهم في كل العالم) وبالتالي فالغموض مقصود حتى لا يفهم اليهود تلك الأقوال قبل آوانها (ص77)
5-         إذا فهم اليهود كلام الأنبياء عن إبطال الناموس، سيعتبرونه شيئًا مؤقتًا عبثيًا بلا فائدة (ص 78)، وسيحتقرونه (ص 79). لكن ذهبي الفم يؤكد على أنه لو لم يكن للناموس مجدًا لا يُقترب منه فما كان محتاجًا إلى البرقع (ص 82).
6-          يقول ذهبي الفم إن قيمة النبوة ليست في أن تعلن عن الأمور الحاضرة بل المستقبلية.. وبالتالي فالنبوة تقال بشيء من الغموض، وبعد وقوع الأحداث تصير أكثر وضوحًا، أما قبل حدوثها فمن المحال فهمها، وبالتالي كانت النبوات تقال بشيء من الإبهام (ص 94). استشهد ذهبي الفم بالسيد المسيح الذي استخدم هذا الأسلوب الغامض، عندما قال لليهود انقضوا هذا الهيكل وكان يقصد جسده، وآمنوا فقط بعد القيامة كما يرد في (يو 2: 22).
7-              كذلك ينسب غموض العهد القديم إلى أننا نقرأه في ترجمة مختلفة وليس في لغته الأصلية، لأن الترجمة تحجب الوضوح الموجود في اللغة الأصلية.
تقييم للمنهج التفسيري لذهبي الفم في ضوء أدوات التفسير الحديث:
1-         كلامه عن وجود جزء من الناموس غامض وقد انكشف ورُفع البرقع بمجيء المسيح، أرى ما يسميه البعض بقانون الإشارة المزدوجة (double reference law) أو قانون التحقيق المزدوج (double fulfillment law) أو ما يُسمى بالمعنى الأكثر اكتمالاً sensus plenior في المسيح أو الكنيسة.
2-        ذهبي الفم يستخدم ما يعرف ب Synecdoche وهو شيء قريب من المجاز المرسل، مثلما نقول إن بعرق وجهك تأكل خبزًا تك 3: 19. أن الخبز هنا مجاز مرسل عن الطعام علاقته الجزئية، لأن الإنسان لن يأكل الخبز فقط. في تعليقه على أن الأرض كلها كانت لسانًا واحدً يشرح فيما معناه أن اللسان كناية عن اللغة، والأرض هم البشر عندما يخطأون.
3-          كذلك يشرح بعض التشبيهات البليغة Metaphors أو الاستعارات مثل تشبيه المرنم للسان بالسيف، بسبب الكلام القاتل الذي يغتال الناس (ص 138(. وكذلك الحنجرة بأنها قبر مفتوح، لأن الناس تُخرج من بلعومهم كلمات شريرة وكريهة (ص 139(
4-          يستخدم أيضًا فهمه للتوازي الترادفي، أي أن شطري الآية أحدهما مترادف مع الشطر الآخر. يعلق على آية إش 11: 4. ”يَضْرِبُ الأَرْضَ بِقَضِيبِ فَمِهِ، وَيُمِيتُ الْمُنَافِقَ بِنَفْخَةِ شَفَتَيْهِ.“ ويستنتج أن الأرض هي البشر الترابيون عندما يعصون.
أكثر ما أبهرني في هذا الكتاب حديث يوحنا ذهبي الفم عن حرية الإرادة وسلطان الله؛ فهو يقول صراحة بأن علم الله السابق لا يجعل الأحداث محتمة. فلا يمثل علم الله السابق علة حدوث الأشياء: لأن الله لا يفرض (او لا يُحتم، أو يقضي) بالأمور التي من المتوقع حدوثها في المستقبل. وهو ما يتفق مع موقف يوستين وإيريناؤس وأوريجانوس ويوحنا الدمشقي الذي قال الله يعلم الاشياء جميعًا علمًا مسبقًا، لكنه لا يُوجبها.[1]   
لكن ذهبي الفمر يُذكرني مرة أخرى بما قرأته لكتاب غربيين معاصرين عما يُسمى استجابة لعلَّ (who knows reaction)![2] ياللعجب. هذا يؤكد لي أن ما يكتب في اللاهوت المعاصر ما هو إلا حواشي أو تفسير على كتابات الآباء. يشرح ذهبي الفم إر 36 : 3، وأن إرميا طلب من باروخ أن يكتب كلام النبوة لَعَلَّ بَيْتَ يَهُوذَا يَسْمَعُونَ كُلَّ الشَّرِّ الَّذِي أَنَا مُفَكِّرٌ أَنْ أَصْنَعَهُ بِهِمْ، فَيَرْجِعُوا كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ طَرِيقِهِ الرَّدِيءِ، فَأَغْفِرَ ذَنْبَهُمْ وَخَطِيَّتَهُمْ“.. هنا ينتبه ذهبي الفم ويقول هل يقول الله لعلَّ؟ هل لا يعرف ما سوف يحدث؟ (ص 65(.
مش هو عارف أنهم هيرفضوا كلامه.. وبيقول لسامعيه أن هناك مَن يتهمون الابن بالجهل (الأريوسيون)، فها هو الآب يقول ايضًا لعلَّ كمَن لا يعرف. ثم يجيب ذهبي الفم على سؤال: ليه ربنا قال لعلهم يسمعون وهو عارف أنهم مش هيسمعوا!
وبيقول لو ربنا قال إنهم هيسمعوا.. يبقى كذبة.. لأنهم يميلون إلى العصيان. ولو قال مش هيسمعوا هيحصل 3 حاجات:

-       هيكون إرسال النبي ليهم بلا هدف.

-       هنفهم أن علمه السابق يعني أن عصيانهم محتم (وده مش حقيقي)
-       ولو قال كده يبقى كأنه بيقول إن باب التوبة مغلق في وجههم (ص 67(.  وحتى لا يتهمونه بالظلم قال للنبي: لعلهم يسمعون.

الكلام ده بيخليني أربط ما ما فهمه رجال الله من أوامر قضى بها الله في العهد القديم، وكيف تصرفوا تجاهها. ناخد مثال داود بعد ما ناثان النبي قاله إن الله قضى بأن يموت ابن الخطية من امرأة اوريا الحثي. هذا أمر خرج من الله. لكن ماذا فعل داود؟ لم يقف سلبيًا مكتوف الأيدي. راح صام وصلى ولبس المسوح. وبعد ما مات الولد، قام واغتسل، فلم يفهم عبيده ماذا فعل؟ انظر ماذا قال: لَمَّا كَانَ الْوَلَدُ حَيًّا صُمْتُ وَبَكَيْتُ لأَنِّي قُلْتُمَنْ يَعْلَمُ؟ رُبَّمَا (لعلَّ) يَرْحَمُنِي الرَّبُّ وَيَحْيَا الْوَلَدُوَالآنَ قَدْ مَاتَ، فَلِمَاذَا أَصُومُ؟ هَلْ أَقْدِرُ أَنْ أَرُدَّهُ بَعْدُ؟ أَنَا ذَاهِبٌ إِلَيْهِ وَأَمَّا هُوَ فَلاَ يَرْجعُ إِلَيّ (2صم 12: 22- 23).
نفس الشيء ملك نينوى، كان الأمر قد صدر بأن المدينة ستنقلب بعد 40 يومًا: ”نادَى (يونان) وَقَالَ: بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا تَنْقَلِبُ نِينَوَى“ ( يونان 3: 4). ماذا فعل ملك نينوى بعدما أمر بان يصوم الجميع وحتى الدواب: ”لَعَلَّ اللهَ يَعُودُ وَيَنْدَمُ وَيَرْجعُ عَنْ حُمُوِّ غَضَبِهِ فَلاَ نَهْلِكَ“ ( يونان3: 7-9). هذا يجيب على مسألة هل الصلاة تغير فكر الله؟ لو لم ينطق الله بكلمة لعلَّ، ولم لم ينطق بها رجال الله القديسيون، لسلمنا بأن الصلاة لا تجدي أي نفع.
آخر نقطة يسمح لي أبونا ذهبي الفم أن اختلف معه فيها، ملتمسًا لي العذر، فليس لي إلا عقلي لأفكر به. في كلامه عن الإنسان المخلوق من جوهر التراب.. وحثه بأن يتذكر الإنسان هذا حتى لا يتكبر وحتى يخمد شهواته. تحدث بكلام صريح وصادم عن أن أمعاء الإنسان وما تحتويه من فضلات هي سبب كاف كي لا نتكبر (ص 128). ويقول إن اشتهيت امرأة لجمالها انزع جلد وجهها وسوف ترى كل الأصل الوضيع لجمالها(ص 132). وهذا من شأنه أن يخلصنا من الشهوة والتكبر.
هذا صحيح ولا أختلف فيه. خصوصًا وأنه لم ينكر الجوهر السماوي للإنسان، وأكد على أن الانسان من طبيعة ثنائية، أرضية وسماوية. وخصوصًا ايضًا أنه قال أن كلامه هذا ليس موجهًا ضد طبيعتنا بل ضد الشهوات الشريرة، وهذا لا يمثل إدانة لطبيعتنا أو تحقير لها بقدر ما هو إدانة وتحقير للشهوات. لكن ما أختلف فيه يا أبي القديس أن هناك استجابة أخرى لشعورنا بالفناء وإدراكنا لفساد طبيعتنا وعفونتها.. وهي أن الإنسان يُروَّع من فنائه فينكب أكثر في الشهوات. ورسالة العبرانيين تتحدث عن الذين خوفًا من الموت، لم يتحرروا من الشهوة، بل عاشوا كل حياتهم في عبودية (انظر عب 2: 15). أظن أن الاب جون رومنيدس قال شيئًا شبيهًا بهذا، إن الإنسان لمّا خاف من الموت، ظل يسعى نحو الأمان النفسي والجسدي، فأصبح يميل إلى الأنا، ويميل إلى النفعية في المواقف المختلفة.[3] فليغفر لي أبي القديس ذهبي الفم الذي أمتعنا بتعاليمه وأنا عيوننا، واثق أنه لن يضيق بنا ذرعًا إذا سألنا أو فكرنا أو صارعنا مع أسئلتنا.  








[1] De Fide Orth. 11, 30 (PG 94, 969 B).
[3] ورد في، قصة الحب العجيب، تأليف أمجد بشارة، صفحة 66.