السبت، 7 ديسمبر 2019

كلسوس: من أشهر منتقدي المسيحية- ج1


ترجمة وتعليق:[1] عادل زكري، عماد عاطف
حتى النصف الأخير من القرن الثاني كان كل ما لدينا عن المواقف اليونانية والرومانية تجاه المسيحية لا يتجاوز بضعة صفحات. ولكن مع حلول عام 170 م كتب فيلسوفٌ يوناني يُدعى كلسوس كتابًا يستهدف المسيحيين خصيصًا. عنوان هذا الكتاب هو ”العقيدة الصحيحة“ (True Doctrine)، ولم يتبقَ لنا منه سوى شذرات، لكن هذه الشذرات كانت كافية بحيث يمكننا أن نقول بكل ثقة بإمكانية استعادة الخطوط العامة لهذا الكتاب. بعد اثنتي عشرة سنة من نشر هذا الكتاب، يكتب أوريجانوس، الفيلسوف واللاهوتي المسيحي الشهير، ردًا موسعًا على كتاب كلسوس في ثماني كتب أو أجزاء. في هذا العمل يذكر أوريجانوس اقتباسات كثيرة من كتاب كلسوس، وأحيانًا جُملة بعد جملة، قبل أن يقدّم رأيه الخاص. ومن خلال جهود أجيال عديدة من الدارسين نستطيع اليوم أن نستعيد ليس فقط الأفكار الرئيسية لكتاب كلسوس وإنما صياغته الفعلية.[2] وإذا قرأنا نصوص كلسوس كما اقتبسها أوريجانوس في سياقها الأصلي -أعني ككتاب لفيلسوف وثني يعيش في القرن الثاني- وليس في ضوء النقد الذي قدمه أوريجانوس، يمكننا أن نرى بعمق رأي المثقفين اليونانيين عن الحركة المسيحية في النصف الأخير من القرن الثاني.
للأسف نحن لا نعرف أي شيء عن كلسوس إلا من خلال المعلومات التي يمدنا بها أوريجانوس بالإضافة إلى شذرات كتابه. حتى في أيام أوريجانوس لم يكن يُعرف عن كلسوس سوى أنه قد مات منذ زمن طويل (ضد كلسوس، المقدمة، 4). في البداية ظنّ أوريجانوس أن كلسوس فيلسوف أبيقوري، وفي بداية كتابه ”ضد كلسوس“ رأى أن كتاب كلسوس هو ثمرة الفكر الأبيقوري. لكن بينما كان أوريجانوس يطوّر حُجته ضد كلسوس، نجده قد غيَّر هذا الرأي، وبدأ يقول إن كلسوس لم يكن أبيقوريًا أبدًا، ولو كان كذلك في وقت سابق، لكنه بدَّل أراءه لتتماهى مع المذهب الأفلاطوني. ربما أراد أوريجانوس أن ينعت كلسوس بلقب ”أبيقوري“ ليجعل مهمة نقده له أكثر سهولة. لقد كان لقب ”أبيقوري“ في المجتمع اليوناني- الروماني مثل لقب ”شيوعي“ في الولايات المتحدة. كان يُنظر للأبيقوريين كملحدين يزعزعون المجتمع. وكان في صالح أوريجانوس أن يصف منتقد المسيحية بلقب أبيقوري.
لكنّ كلسوس لم يكن أبيقوريًا. الفحص الدقيق لشذرات كتابه يُظهر أنه لا يمكن أن يُحسب أو يُنسب للمدارس الفلسفية الكبرى في زمانه.[3] كان كلسوس أقرب ما يكون إلى الأفلاطونية، لكنَّ موقفه الفلسفي كان انتقائيًا. كان كلسوس يعكس معتقدات وآراءً شعبوية لم تكن من السمات المميزة لأية طائفة أو مدرسة فلسفية، وإنما يتشاركها المثقفون من ميول واتجاهات فلسفية ودينية مختلفة. أود أن أصفه بالمثقف المحافظ؛ فهو يدعم القيم التقليدية ويدافع عن المعتقدات المقبولة من نطاق واسع، لكنه بخلاف بليني الأصغر لم يكن سياسيًا أو موظفًا حكوميًا. فهو يقترب من مؤسسات المجتمع وأعرافه كمثقف مستعد لتقديم حُجج فلسفية ودينية داعمة للنظام السياسي والاجتماعي. لم تكن أفكاره الدينية والفلسفية مجرد قناعات نظرية، لكنها كانت منسوجة ومقترنة بالمؤسسات، والأعراف الاجتماعية، والبنية السياسية للعالم اليوناني-الروماني.
كهنة كوبيلي[4] Cybele الشحاذين والعرافين
من الواضح أن كلسوس كان يعرف المسيحية عن قرب، وكمجادل متمرس يقدّم وصفًا مفصلاً وملموسًا للحركة المسيحية. وكان يبحث عن نقاط الضعف في المسيحية، وكان لديه ذكاء وطرافة في استغلال هذه النقاط والسخرية منها. حتى وهو يسخر من المسيحيين، يعرف القارئ المثقف أن لديه وجهة نظر. أكثر ملاحظاته طرافةً عن العبادة المسيحية نجدها في الكتاب السادس حيث يناقش ولع المسيحيين بتبجيل أدوات صلب المسيح:
في كل مكان يتحدثون في كتاباتهم عن شجرة الحياة وقيامة الجسد بالشجرة. يخالُ لي أن ذلك بسبب أن مُعلمهم صُلب على الصليب وكانت مهنته نجارًا.[5] لدرجة أنه لو كان قد أُلقي من فوق جرف، أو دُفع في حفرة، أو شُنق بحبل، أو لو كان إسكافيًا أو بنّاءً، أو حدادًا، لكنّا سنجد جَرف الحياة فوق السموات، أو حُفرة القيامة، أو حبل الخلود، أو الحجر المبارك، أو حديد الحب، أو الجلد المقدس. ألا تخجل امرأة عجوز أن تحكي مثل هذه القصة لتهدهد طفلاً صغيرًا لينام؟ (ضد كلسوس 6: 34)[6].
لقد قام أوريجانوس بالرد على هذه الفقرة، فأولا بدأ بمعنى "شجرة الحياة وقيامة الجسد بالشجرة"، و قد أشار أن هناك سببين لعدم فهم كلسوس لهذه الجملة، أولاً هو لا يفهم اللغة الرمزية  في هذه الجملة، فالجملة تتحدث عن الموت في آدم الذي جاء من خلال الشجرة المذكورة في كتابات موسى النبي ويقابلها الحياة التي في المسيح من خلال الصليب (ضد كيلسوس 36:6)، و ثانياً لأنه يسخر ولا يفهم عقيدة القيامة. و بعد ذلك يعلق على إدعاء كيلسوس أن المسيحيين قد "اخترعوا شجرة الحياة ليستطيعوا أن يشيروا رمزيًا للصليب" (ضد كيلسوس 37:6)،  لكنه لا يسترسل و لا يُفند ححج كيلسوس ويكتفي أن ينعت نقده "بعديم القيمة" (ضد كيلسوس 37:6)، لعل السبب وراء هذا الرد المختصر هو أن أوريجانوس وجد حجة كيلسوس لها طابع شخصي وليست موضوعية، ولعل ذلك يتضح من عبارته التالية "فهو [كلسوس] سكب شره على الرجال، الذين حسب تصريحه يحاول أن يُرجعهم من ضلالهم" ضد كيلسوس 37:6). آخيراً يُعلق على سخريته من العقائد المسيحية، قائلاً "فالعقائد التي يؤمن بها أعضاء الكنيسة هي غير معلومة لكلسوس"، و لكن فقط للذين كرسوا حياتهم كلها للبحث و فحص معاني الكتب المقدسة. (ضد كلسوس 37:6).

يستطيع أوريجانوس في بعض الأحيان أن يكون ساخرًا مثل كلسوس (انظر ضد كلسوس 4: 67)، لكنه فشل في إدراك روح الفكاهة في هذا النَّص. إن وصف كلسوس للحركة المسيحية غني ومتنوع بعكس النقاد السابقين الذين نظروا للمسيحية من منظور أحادي. فهو يقدّم نقدًا فلسفيًا مثقفًا ومبنيًا على دراسة جادة للكتابات والعقائد المسيحية. وفي مواضع أخرى أيضًا يعتمد على كتابات متداولة بين المثقفين. تمثلت إحدى استراتيجياته في مقارنة المسيحية بالحركات الدينية غير الشعبية والغربية التي تثير حفيظة الرومانيين. على سبيل المثال، في مستهل كتابه يقارن المسيحيين ”بكهنة كوبيلي الشحاذين والعرافين، وبُعبَّاد ميثرا[7] وسبازيوس Sabazius، أو أيًا ما كان مما يمكن مقابلتهم، أشباح هيكاتي Hecate، أو أي شيطان أو أنصاف آلهة أُخر.“ (ضد كلسوس 1: 9). وفي موضع أخر يقارن العبادة المسيحية بممارسات خرافية للمصريين وممارسات هؤلاء الذين ”في طقوس العربدة يقدّمون أشباحًا ومظاهر مروعة.“ (ضد كلسوس 3: 17، 4: 10). هذه التعليقات التي تذكرنا بتعليقات بليني الأصغر، تشير بأن الناس كانوا لا يزالون ينظرون للحركة المسيحية كعبادة سرية غريبة تمارس الخرافات. يقدّم لوسيان، وهو كاتب يوناني ساخر في نفس الحقبة تقريبًا، وصفًا مماثلاً في عمله ”موت بروتيوس“[8] (The Passing of Peregrinus)، الذي يتحدث عن ”تقاليد سحرية للمسيحيين“، كان قد تعلمها بروتيوس نفسه، وهو دجال وساحر في القرن الثاني، من مصاحبة ”كهنتهم وكتبتهم في فلسطين“ ويقصد هنا المسيحيين. يقول لوسيان: ”كان المسيحيون يعبدون الإنسان الذي صُلب في فلسطين[9]؛ لأنه هو مَن أدخل هذه العبادة السرية الجديد في العالم.“[10]
ينتقد كلسوس بشكل حاد الإيمان المسيحي البسيط غير المبرر عقلانيًا (fideism). ويظن كلسوس أن النصوص الكتابية المسيحية تبرر تجنُب أو تحاشي الاحتكام للمنطق أو الجدل العقلي. يقول كلسوس: ”بعض المسيحيين لا يريدون حتى أن يقدموا أو يحصلوا على سبب لما يؤمنون به، ويستخدمون تعبيرات مثل ’لا تطرح أسئلة، فقط آمن‘، و ’إيمانك سيخلصك‘. وآخرون يقتبسون من الرسول بولس: ’حكمة العالم شريرة، والجهالة شيء حسن‘“[11] (انظر 1كو 1: 25-26؛ ضد كلسوس 1: 9).
يرد أوريجانوس على هذا الإدعاء مؤكداً على أهمية الفلسفة فيقول "فلا يوجد مسار آخر يجب أن يُتّبع إلا ذلك فقط" (ضد كلسوس 9:1)، و يرى أوريجانوس أن ذلك موجود في تفسير الأقوال الغامضة في كتابات الرسل وفي أمثال الأناجيل وأماكن آخرى لا تُعد ولا تُحصى، أو في الناموس الذي يحمل معنى رمزياً. ولكنه يوضح صعوبة هذا المسعى، نتيجة للإحتيات الضرورية في الحياة عند البعض، والضعف عند البعض الآخر و أخيراً قله الحماس عند البعض. على الجانب الآخر يحاول أوريجانوس تعليم هؤلاء الذين لم يستطيعوا أن يتفرغوا للتفكير المنطقي (ضد كلسوس 10:1). بالإضافة إلى ذلك، يرى أوريجانوس أن قبول هؤلاء للتغيير الأخلاقي هو أمر بالغ الأهمية، فهؤلاء –على الرغم من عدم إطلاعهم الوفير في التفكير المنطقي- إلى أنهم تعلموا أن يقوموا بالأمور الأخلاقية لأنهم سوف يحاسبون عما يفعلونه.
 
في نص مشابه يشرح كلسوس فكرة مشابهة من خلال رسم كاريكاتوري لجهود المسيحيين من أجل تبشير الآخرين بالإيمان المسيحي:
في البيوت الخاصة أيضًا نرى العاملين في الصوف، والإسكافيين، والعاملين في الغسيل، وأكثر الريفيين أمية وسذاجة، الذين لا يجرؤن على التفوه بأي شيء أمام رؤسائهم وبالأحرى سادتهم النبهاء. ولكن بمجرد أن يمسكوا بالأطفال على انفراد ومعهم بعض النسوة الغبيات، فإنهم يتفوهون بعبارات صاعقة، على سبيل المثال، أنهم لا يجب أن يلتفتوا لآبائهم أو معلميهم، ولابد أن يطيعوهم هم. ويقولون عنهم أنهم يتكلمون هراءً، وليس لديهم فهم، وهم في الواقع لا يعرفون شيئًا وغير قادرين على فعل أي شيء حسن، لكنهم مأسورون بلغو تافه. ويقولون إنهم وحدهم يعرفون الطريق الصحيح للحياة، وإذا صدقهم الأطفال، سيصيرون سعداء، وسيجعلون بيوتهم سعيدة أيضًا. (ضد كلسوس 3: 55).     
يرد أوريجانوس على إدعاء كلسوس موضحاً أنه لا يوجد عيب في أن المسيحيين يصمتون أمام أحد الأباء يُعارض بشده الأخلاق الحسنة، وذلك هو ما كان ليقوم به كلسوس نفسه،  فهو نفسه كان ينقل أسرار الفلسفة إلى الشباب الصغير والأطفال حتى لو كان الأب يرى أن الفلسفة هي عديمة القيمة و عقيمة (ضد كلسوس 58:3)،  ويضيف أن حتى لو كان الأهل سيئيين، كان كلسوس لينتهز الفرصة ليعلم عقائد الفلسفة للشباب الصغير (ضد كلسوس 58:3)، و يضيف أيضاً أوريجانوس أنه لا يمنع الشباب من الإستماع للفلاسفة ولا من التدريب الفلسفي ولكن بعد التدرب على التعليم العام والفلسفة يقود الشباب إلى "إرتفاعٍ أعلى" (ضد كسوس 58:3)، و هو "عقائد المسيحيين" (ضد كلسوس 58:3) و التي تكشف "الحقائق الأعلى و الأكثر سمواً، مثبتاً و مُظهراً أن هذه الفلسفة [المسيحية] قد عُلمت عن طريق أنبياء الله ورسل يسوع"  (ضد كلسوس 58:3).


[1] This article is translated from Robert Louis Wilken, The Christians as the Romans Saw Them, Yale University, 1984, ch. 5, pp. 94- 117.
[2] See, Clesus on the True Doctrine: A Discourse against the Christians, P. 44-45, Translated by: R. Joseph Hoffmann.   
[3] The most perceptive and thorough analysis of Celsus's True Doctrine is Carl Andresen, Logos und Nomos. Die Polemik desKelsus wider das Christentum (Berlin, 1955), Citations of Celsus's True Doctrine from Origen's Contra Celsum, ed. Marcel Borret, SJ. Origine. Contre Celse, Sources «Chretiennes (Paris', 1967- ). Translation by Henry Chadwick, Origen: Contra Celsum (Cambridge, 1953).
[4] كوبيلي Cybele هي آلهة الجبال والطبيعة والخصوبة لشعوب آسيا الصغرى. (المترجم)
[5] الجدير بالذكر أن اوريجانوس في رده على كلسوس قال إنه لم يُذكر في أي من الأناجيل التي تعترف بها الكنيسة أن المسيح كان نجارًا بينما لدينا مرقس 6: 3 تقول: أليس هذا هو النجار ابن مريم؟“، لكن يبدو أن النص الذي كان في يديه يؤيد قراءة متى 13: 55 التي تقول: ”أليس هذا ابن النجار؟“ ناسبةً مهنة النجارة إلى القديس يوسف النجار وليس المسيح. يحتاج الأمر إلى دراسة تحقيق النص الذي استخدمه أوريجانوس حتى نقدر أن نميز مدى صواب رد العلامة أوريجانوس. (المترجم)

[7] إله فارسي من الديانة الزرادشتية. 
[8] اسمه بريجرينوس بروتيوس، وهو فيلسوف كلبي يوناني، عاش لفترة مع المسيحيين في فلسطين، ثم طرد من بينهم، وعاش كفيلسوف كلبي. يُشتهر بانتحاره بعد أن قدم خطبة تجنيزه. 
[9] و كتب لوسيان في موضع آخر قائلاً "فمشرّعهم الأول [يسوع] أقنعهم أنهم إخوة بعضهم البعض، بعد إنتهكوا كل شيء بإنكارهم الآلهه اليونانية و عبدوا السوفسطائي المصلوب نفسه و عاشوا تحت قوانينه" (Peregrinus 13). تعتبر هذه الفقرات شهادة واضحة على أن المسيحيين منذ وقت مبكر عُرفوا بعبادتهم ليسوع المسيح المصلوب و ذلك قبل الصياغات الخريستولوجية اللاحقة.  
[10] Peregrinus 11.

من أقوال الرابيين اليهود


(المحتوى التالي مترجم عن الكتاب السابق)
 طلب "يشوع بن لاوي" أن يرافق إيليا النبي في جولاته ليتعلم من حكمته.. لكن إيليا حذره بأنه سيُصدم بما سيرى، وسيضطر بأن يمطره بالأسئلة.. واشترط عليه إيليا إن سأل سؤالاً واحدًا عن المعجزات التي سيجريها.. سيأمر بعودته إلى بيته فورًا. ذات مرة وصلا كلاهما إلى كوخ لزوجين فقيرين، فرحبا بهما وأحضرا لهما الطعام والشراب، وسألهما أن يبيتا عندهما هذه الليلة. وفي الصباح صلى إيليا أن تموت بقرة هذين الزوجين الفقيرين، وحدث هذا على الفور.
لم يستطع يشوع بن لاوي أن يتمالك نفسه وبدأ يسأل إيليا لماذا يكون هذا ردًا على حسن الضيافة، فحذره إيليا مذكرًا إياه بالاتفاق الذي صار بينهما. في اليوم التالي مكثا في بيت رجل ثري، لكنه رفض أن يطعمهما أو يعاملهما معاملة جيدة. فعندما غادر إيليا في الصباح رأي إيليا حائطًا في بيت الغني على وشك السقوط، فصلى أن يعاد بناءه في الحال.. فصار ما أراد. فاستشاط غضب يشوع بن لاوي جراء هذا الظلم، لكنه اضطر أن يكتم غيظه.
في اليوم التالي، حلَّ كلاهما في مجمع يهودي لمدينة غنية، لكن أعضاء هذا المجمع لم يكرموا الرجلين، ولم يعطوهما سوى الخبز والماء والملح.. وجاء صباح اليوم التالي فباركهم إيليا وصلى إلى الله أن يجعلهم كلهم من الرؤساء! ثم في اليوم التالي نزل كلاهما على مجمع في مدينة أخرى فتم استضافتهما وقدموا لهما أفضل الطعام وأحسن معاملة. فجاء الصباح فباركهم إيليا وصلى إلى الله أن يجعل عليهم رئيسًا واحدًا فقط.
لم يحتمل يشوع أن يحتفظ بهدوءه أكثر من هذا.. وطلب شرحًا من إيليا لتصرفاته غير المعقولة وغير المفهومة.. فشرح له النبي أنه علم أن المرأة الفقيرة ستموت، فصلى إلى الله أن يقبل البقرة عوضًا عن حياة المرأة.. فاستجاب له. كما أنه لو لم يصلي ليعيد الله بناء الحائط في بيت الغني.. كان سيسقط وسيجد الرجل كنزًا من الذهب تحت الانقاض. وكذلك صلى لأعضاء المجمع الأول أن يصيروا كلهم رؤساء.. الأمر الذي سيؤدي حتمًا إلى الخلافات والمشجارات فيما بينهم. في المقابل صلى لأعضاء المجمع الآخر ليعيطهم الله رئيسًا واحدًا فيحل السلام والرخاء فيما بينهم. ثم قال إيليا إن البشر لا يجب أن يشكوا في العدل الإلهي عندما يجدون الأشرار في رخاء والأبرار في معاناة.. لأن الله وحده عليم بكل شيء.[1]
بحسب التلمود الأورشليمي: أحد الأبناء أطعم أباه من الدجاج المسمَّن فذهب إلى جهنم، بينما آخر جعل أباه يطحن على الرحى، فكان نصيبه الفردوس. كيف صار هذا؟ عندما سأل الأب الابن الأول مِن أين جئت بالدجاج، رد عليه ردًا جافًا: "أيها الشيخ، كُل في هدوء؛ فإن الكلاب تأكل في هدوء". في المقابل الابن الثاني كان يطحن على الرحى عندما وصل مرسوم ملكي يأمر بتجنيد كل الطاحنين على الرحى لخدمة جيش الملك. فقال الابن لأبيه باحترام جزيل: "خذ أنت مكاني هنا، وأنا سأطحن للملك. حتى إذا وجدت أي إهانة، يكون من الأفضل أن تحلَّ عليَّ أنا. وحتى إذا وجدت أي ضربة، فالأفضل أن أتحملها أنا".[2]
في مدراش قديم يرفض إبراهيم العبادة الوثنية لأبيه، فأحضروه أمام الملك نمرود الذي قال له: "طالما أنك لا تعبد التماثيل، فيجب أن تعبد النار" فأجاب إبراهيم: "بل يجب بالأحرى أن نعبد الماء الذي يطفئ النار". وعندما وافق نمرود على ذلك، قال إبراهيم: "بل يجب بالأحرى أن نعبد السحب التي تحمل الماء" واستمرت المحاججة بعد ذلك إلى "الريح التي توزع السحب"، و"الإنسان الذي يحمل الريح (في رئتيه)" حتى وصل في النهاية إلى ما يسميه الفلاسفة "العلة الأولى".
وعن عظمة الله: سُئل لماذا تبدأ ترنيمة موسى ب "الرب قد تعظم" (ارتفع .. ارتفع) (مرتين في العبري). بحسب الرابي شمعون بن لاكيش: "هذا يعلمنا أن الله ارتفع فوق كل المرتفعين الآخرين". كما علق أحد المعلمين قائلاً: "ملك الحيوانات البرية هو الأسد، وملك المواشي هو الثور، وملك الطيور هو الصقر، والإنسان ارتفع عليهم.. أما الله القدوس فقد ارتفع فوق كل هؤلاء كما ارتفع على الأرض والكون كله".
وعن حضور الله: تحدى أحد الهراطقة الرابي غمالائيل قائلا: "أنت تقول إنه حيثما اجتمع 10 يهود، توجد الشاكيناه (الحضور الإلهي)، فكم عدد الشاكيناهات إذن؟ فاستدعى غمالائيل خادم هذا الرجل وضربه على عنقه سائلاً إياه: "لماذ سمحت لضوء الشمس أن يدخل بيت سيدك؟" فتعجب الرجل "لكن الشمس تشرق على العالم كله، فكيف لشخص واحد أن يمنع ضوءها من الدخول لأحد البيوت؟" فرد غمالائيل بهدوء: "إذا كانت الشمس وهي خادم واحد فقط من ملايين لا تحصى من خدام الله تستطيع أن تشرق على العالم كله، فكيف بالأحرى ينطبق هذا على الحضور الإلهي للرب" (Sanh. 39 a).
سمح بعض الرابيين بأن يباع دَرج التوارة من أجل الزواج. كما قال التلمود بأن من ليس له زوجة، فهو ليس إنسانا كاملاً. كما قال آخر: إن الزواج صعب بصعوبة شق البحر الأحمر ويتطلب حكمة إلهية. وحتى من يعتقد أن الزواج مقدّر ومكتوب يحتاج إلى وقت كافي حتى يتخذ قرارًا رزينًا .وورد في تكوين رباه: ان الرجل التقي إذا تزوج امرأة شريرة، صيرته شريرًا. اما إذا تزوجت المرأة التقية رجلا شريرًا، صيرته تقيا. وهذا يثبت أن كل شيء يعتمد على المرأة.  كما كان آخر يصلي: ابتليني بأي شر، ولا تعطيني امرأة شريرة!
يقول الرابيون أيضًا: على الزوج ان "يأكل ويشرب دائمًا بأقل مما تسمح إمكانياته؛ ويلبس بحسب ما تسمح به إمكانياته؛ وأن يكرم زوجته وأبناءه بأكثر مما تسمح به إمكانياته؛ لأنهم معتمدون عليه، وهو معتمد على الله الله الذي خلق العالم بكلمته". كما يضيف التلمود: "حينما يكون الحب قويًا، يستطيع الرجل والمرأة أن يجعلا سريرهما على نصل سيف. ولكن حين يضعف الحب، فإن سريرًا (عرضه) 60 ذراعًا لا يتسع لهما بما يكفي". كما يضيف التلمود أن "الرجل الذي كان يعاني من الزواج بامرأة خبيثة لن يرى جهنم أبدًا، لأنه قد كفّر بالفعل عن كل خطاياه في العالم" (Eruvin 41 b) .


[1] Ronald L. Eisenberg, What the Rabbis Said: 250 Topics from the Talmud, p 16- 17.
[2] What the Rabbis Said, p, 117.

الثلاثاء، 26 نوفمبر 2019

السياق الفلسفي للمسيحية المبكرة



(نُشر في دورية المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية تحت عنوان: موقف المسيحية المبكرة من الفلسفة اليونانية، تاريخ يوليو 2019)

الفلسفة هي سعي للإجابة على سؤال: ما هو الشيء الأهم في الحياة؟ وهو أن نعرف مَن نحن ولماذا نعيش؟[1] نشأت الفلسفة من الفضول والخوف من الموت. الفضول أنشأ فلسفة الطبيعية؛ إذ يحاول الإنسان دراسة الكون من حوله، أما الخوف من الموت فأنشأ فلسفة الميتافيزيقا، أو ما وراء المادة، ليتعرف الإنسان على مصيره بعد الموت.[2] يمكننا تقسيم التاريخ الفسلفي إلى المحطات الرئيسية التالية:
1- ما قبل سقراط
ظهر الطبيعيون القدامى ليبحثوا في أصل الموجودات، فقال طاليس: الماء هو أصل الموجودات، وقال أناكسيمنز: الهواء، وقال هيراقليطوس: النار، وقال زينوفانيس:  الماء والهواء والتراب والنار. جاء أناكسيمندر وقال إن أصل الوجود شيء لا صورة له ولا صفات وأسماه ”أبيرون“πειρον، وهنا بداية التنزيه المسيحي. وقال بارمنيدز إن المواد السابقة متغيرة وبالتالي فانية، لذا قال إن أصل الموجودات هو الوجود نفسه، وأضفى عليه صفات مثل أبدي وبلا بداية ولا ينقسم ولا يتغير. كان هذا نوع من الألوهة المجردة.[3]
كما تحدث بارميندز عن العوالم المتعددة، ثم هيراقليطوس الذي تحدث عن العقل الكوني الذي يحكم الطبيعة، وأسماه ”اللوغوس“. الرواقيون سيطورون فيما بعد فكرة اللوغوس وفكرة العوالم المتعددة، وستجد رفضًا لفكرة العوالم المتعددة المتزامنة عند أوريجانوس في المبادئ وضد كلسوس لأنها تبطل حرية الإرادة. فيقول أوريجانوس في ضد كلسوس الآتي: "إذا كان هذه هو الحال، فإن حرية إرادتنا تبطل نهائيًا. لأنه خلال عدد معين من الدورات، وبدافع الضرورة، فإن نفس الأشياء التي حدثت، تحدث، وستحدث، فمن الواضح أن سقراط سيكرس حياته للفلسفة دائمًا.. وقضاة أريوباغوس سيحكمون عليه بالموت.. إذا قبل المرء هذه الفكرة، فلا أعرف تمامًا كيف تُحفظ حريتنا، وكيف يمكن أن يُبرر المديح أو اللوم.."[4]
زينوفانيس سيرفض أيضًا فكرة الأنثروبومورفيزم أو التجسيم (نسب صفات بشرية لله)، وهذه القضية ستحتل أهمية في اللاهوت المسيحي كما في كتاب ق كيرلس ”كاتا أنثربومورفيتين“ أو ”ضد الذين يتصورون أن لله هيئة بشرية“. يقول زينوفانيس: وقال ”إن الناس هم من اخترعوا الآلهة.. وتصوروها بمثل هيئاتهم، ولو كانت الثيران والجياد تعرف التصوير لرسمت لنا الآلهة على أشكالها.. لا يوجد غير إله واحد هو أرفع الموجودات. كما يقول إن الأحباش يرسمون آلهتهم بأنوف فطساء، وأهل تراقيه (شمالي اليونان) يرسمون آلهتهم زرق العيون وحُمر الشعر.[5]  
ديموقريطوس: يُنسب إليه المبدأ الذري، الذرات هي الجواهر المفردة، غير قابلة للإنقسام. كل شيء يتألف من الذرات حتى العقل والروح والنفس.. مثل ذرات كالهباء الذي نراه في شعاع الشمس الداخل من ثقب إلى داخل الغرفة. وستجد تفنيدًا لنظرية ديموقريطوس وليوكيبوس والرواقيين عند لاكتانتيوس في مقالته "عن غضب الله" الفصل العاشر. ثم يأتي فيثاغورس ويقول إن   رقم واحد هو أصل الكون وعلته. ثم يأتي بعد ذلك السوفسطائيون مثل بروتاجوراس ومبدأه أن الإنسان هو معيار كل شيء، وجورجياس وإنكار إمكانية المعرفة بالاساس. وفي خضم هذا الجو الشكوكي الإلحادي يظهر سقراط.  
2- سقراط
ظهر سقراط في وقت مظلم من الإنحلال والنسبية الأخلاقية في عهد السوفسطائيين، وترك إلى حد ما البحث في الطبيعيات، واهتم بغاية الإنسان ووجوده، أو لتقل أنه قرن الطبيعيات والمنطق بالأخلاق. كان أبوه مثَّال وأمه قابلة (داية). هرع تليمذه إلى كاهنة دلفي ليسألها: هل يوجد أحكم من سقراط؟ فقالت: كلا. لكنه لتواضعه قال: إني جاهل عرف جهله، أمّا سائر الناس فجهالٌ يجهلون جهلهم.[6]
 معرفة الحقيقة عنده هي معرفة الذات. وشعاره هو ”اعرف ذاتك، هذا الملمح سنجده عند كثير من آباء الكنيسة، مثل ق باسليوس، وق غريغوريوس النيصي الذي يطور الفكرة على أساس أن معرفتنا للنفس المخلوقة على صورة الله تؤدي بنا إلى معرفة الثالوث.[7] كما يُنسب إلى سقراط الطريقة السقراطية )الاستفهامية)، وكان يمارسها مع خصومه، هي تتلخص في أنه يطرح سؤالاً، وعندما يجيبه الآخر، يسأل في إجابته مرة تلو المرة حتى يضطر الآخر بالاعتراف بخطأ جوابه الأول. هذه الأسلوب استخدمه الرابيون اليهود والسيد المسيح نفسه.
لاحظ الكثيرون أوجه التشابه بين سقراط والمسيح، حتى أن الشاعر Shelley  لقب سقراط بمسيح اليونان، في حين لقب فولتير المسيح بـسقراط فلسطين“ .[8] كان كلاهما من أسرة غير ارستقراطية، كان كلاهما معلمًا متجولاً يعلِّم بلا مقابل. كلاهما غفر لمَن قتلوه، كلاهما تعرّض للهزء والإيذاء. تعرض الأثينيون لانتقام إلهي، مثلما تعرض اليهود لانتقام إلهي بعد قتلهم المسيح. لم يكتب المسيح سطرًا، بل كتب عنه تلاميذه، كذلك سقراط لم يكتب سطرًا وكتب عنه أفلاطون محاوراته. لكن الجدل الأكبر كان عن الطريقة التي مات بها كل منهما: ”لقد أصبح موت سقراط قصة أساسية في الجدل حول أخلاقيات الديانة الوثنية بالمقارنة بالأخلاقيات المسيحية.[9] وتحول الجدل المسيحي إلى إثبات أن الشهداء المسيحيين يتفوقون على سقراط في موتهم.
في القرن الرابع حدثت مناوشات كثيرة بين الوثنيين والمسيحيين؛ فأعيد فتح الموضوع والمقارنات من جديد. القديس يوحنا ذهبي الفم (347-407م) زعم أن استشهاد المسيحيين يفوق مشاهير الشهداء الوثنيين. وأضاف أن الشهداء المسيحيين كانوا سيجدون سهولة بالغة في تناول الشوكران: لو أتيح لهم قانونيًا عند اضطهادهم أن يشربوا سم الشوكران، لصاروا جميعًا أكثر شهرة منه. كما أنه شرب حين لم تكن لديه حرية في أن يشرب أو لا يشرب.. كان لابد أن يجوز ذلك.. لكن الأمر مختلف تمامًا عندنا.. لأن الشهداء ليس ضد إراداتهم قد تحملوا الألم، بل بإرادتهم، وكانوا يملكون الحرية في أن يختاروا ألا يتألموا، وبالتالي أظهروا جلدًا أكثر صلابة من الصخر“.[10]
3- أفلاطون
هو الأقرب للاهوت المسيحي.. هو صاحب نظرية المُثل أو الأفكار (theory of forms). تساءل أفلاطون من أين جاء العقل بالمطلقات.. العدل المطلق، الجمال المطلق وهكذا؟ ليس هناك نظير لهذا في عالم الحس. فرأى بوجود حقيقة أخرى وراء عالم الحواس.. هذه الحقيقة أسماها "الأفكار". هناك توجد المُثل الأبدية والثابتة. وبالتالي كل ما نراه هو صورة مشوهة لصورة أخرى كاملة في العالم الآخر. ”كل الظواهر الطبيعية ليست إلا ظلال الأفكار أو الأفكار الأبدية."[11]
 أفلاطون هو صاحب  أمثولة الكهف  (cave analogy) ، وهي باختصار عن قوم مقيدين في كهف منذ طفولتهم، لا يرون إلا ظلال على الحائط. بالطبع يرى هؤلاء الناس المقيدين أن هذه الظلال هي كل ما يوجد في هذا العالم. حتى يتحرر أحدهم ويرى نور الشمس، ويرى الموجودات على حقيقتها. يطلب أفلاطون من هذا الفيلسوف الحقيقي المتحرر أن يرجع إلى أخوته في الكهف، ويبشرهم، لكنهم قد يقتلونه في النهاية (وهو بهذا يشير إلى سقراط معلمه).
آمن الأفلاطونيون بأزلية المادة الأمر الذي رفضه معظم آباء الكنيسة مؤكدين على خلق الله للعالم من العدم ex nihilo، وسنجد ذلك على سييل المثال لدى العلامة ترتليان في رده على هرموجنيس الذي تبنى فكرة أزلية المادة. وكان رفض ترتليان يقوم على أن القول بأزلية المادة والله، ينفي ربوبية الله على المادة وسلطانه عليها، وفيه نفي لأزلية الله نفسه وهي الخاصية الفريدة بالله وحده. كما يرفض أزلية المادة لأن هذا يجعل الله ضعيف وغير قادر على الخلق من العدم، وكأن الله يحتاج إلى المادة. وإذا كانت المادة في جوهرها شر يصبح الله في هذه الحالة مصدرًا للشر. يقول ترتليان: ”إن لم يكن هو المبدع (للشر)، فهو متستر عليه، فبقدر كل هذا الصلاح الذي له، أبقى على الشر في المادة قبل أن يخلق العالم.[12]وبالتالي إمّا إن الله كان ضعيفًا، وتعوزه القدرة، أو كان يقدر ولم يشأ.. وبالتالييصير هو نفسه شريرًا؛ لأنه استطاب الشر، وهكذا يتحمل هو نفسه عاقبة الشر. يقول ترتليان إنه بذلك يكون الله قد أجاز وجود الشر بالتواطؤ سواء عندما خلق العالم من المادة بإراداته أو كان مجبرًا.. في كلا الحالتين  يكون الله إمّا خادمًا للشر أو صنوًا له“.[13]

4- أرسطو
تأثر أرسطو بوالده الطبيب في تفكيره التجريبي، وولد في ستاغيرا الشهيرة بالفلاسفة، وانتقل مع والده ليعمل في بلاط الإمبراطور، لذا سيهتم بالسياسة بعد ذلك. ثم عمل أستاذًا للأسكندر الأكبر، وربما اختلف معه لأنه كان يرفض الفكرة الاستعمارية. التحق بأكاديمية أفلاطون، وأطلق عليه أفلاطون "عقل المدرسة". نقد نظرية المُثل لأفلاطون وقال: العالم المادي حقيقي وليس ظلالاً.. الصور ليست خارج العالم بل في العالم هل توجد مادة بلا صورة؟ نعم: الهيولى.. المادة الأولى التي صنع منها الكون، هي المادة بلا صورة. هل توجد صورة بلا مادة؟ نعم، هو الله. الله هو الصورة الخالصة. هو صاحب "المقولات العشرة"  (categories) "ما يُقال عن الموجودات"، وأهمها الجوهر والعرض. وهو ما سيدخل في مناقشات عن الاستحالة الجوهرية في الافخارستيا.
 هناك علة أولى وراء العالم المحسوس هي علة حركته، هذه العلة سماها أرسطو المحرك الذي لا يتحرك“ immovable Mover)) . كيف يُحرك ولا يتحرك؟ يفسر ذلك بمثل القائد العسكري الذي يُصدر أوامره بالتحرك والهجوم وهو جالس في مكانه. كذلك مثال العاشق والمعشوق. العاشق (العالم) هو الذي يتحرك نحو المعشوق (الله) الذي لا يدري شيئًا عن العاشق. الله هو المعشوق الذي لا يدري عنا شيئًا.  
يُقسم أرسطو الزمن إلى آنات الزمان (ماضي وحاضر ومستقبل). لكن حتى كلمة "الآن" قبل أن تنطقها هي لحظة مستقبلية، وبعد أن تنطقها هي لحظة ماضية. وبالتالي رأى أن الزمن هو أقرب إلى اللاوجود، وهذا ما سيقوله أغسطينوس في كتاب الاعترافات: ”في الواقع، إن حقَّ لنا أن نقول إن الوقت موجود فلأنه يسير نحو اللاوجود.“ ([14] تقول د. زينب الخضيري إن أغسطينوس” فجر كل إشكاليات الزمن وأبرز صعوبة الوقوف عليه ببراعة شديدة.. كاشفًا بذلك على قدرة فلسفية فائقة -حتى وإن تركها معلقة وبلا حل.[15] كذلك تقول د. زينب الخضيري ن الزمن عند أغسطينوس هو ”الحاضر الغامض الذي يسحقه، من جهة، الماضي الذي ابتلع بلا عودة، ومن جهة أخرى المستقبل الذي لا يمكن الحديث عنه بعد. [16]

يُقسَّم التاريخ إلى عصر هلليني ينتهي بموت الأسكندر الأكبر 323 ق م ليبدأ العصر الهلينستي. ويُقسَّم تاريخ الفلسفة إلى فلسفة هللينية تنتهي بموت أرسطو 322 ق م لتبدأ الفلسفة الهلينستية. من خصائص هذه المرحلة امتزاج الفلسفة اليونانية بفلسفات الشرق (مصر، بابل، الهند، فارس) أو ما يسمى ب”التلفيق“. كان هذا الوقت مضطربًا وانصرف الفلاسفة عن دراسة الطبيعيات وما وراءها وركزوا على فلسفة الأخلاق، والبحث عن السعادة. من بين هذه المدارس الفلسفية: المدرسة الأبيقورية والرواقية ومدرسة الفلسفة الاسكندرية أو ما يُطلق عليه ”الأفلاطونية المحدثة“.
5- الأبيقوريون
بالنسبة لفلسفة الأخلاق، قال أبيقور: من الطبيعي أن يتجه الإنسان نحو اللذة ويبتعد عن الألم. لكنه يضع معايير للذة، فهناك: لذات طبيعية ضرورية (الأكل- الشرب- النوم)، ولذات طبيعية غير ضرورية (الجنس- السلطة). اللذة هي غياب الألم (وفقط، وبالتالي هو لا يدعو إلى العربدة، وإنما إلى الزهد في اللذة). لأنه أدرك ما يُسمى ب "مفارقة اللذة" Hedonistic Paradox وهو أن السعي وراء اللذة يصبح مؤلمًا آجلاً أو عاجلاً. فالأمور يحتاج إلى التوازن، كيف أحصل على أعظم قدر من اللذة بأقل قدر من الألم. في آلام الجسد، قال أبيقور: اقتصر على ما هو طبيعي وضروري دون إفراط. وفي آلام النفس، قال العلاج يكون بالتذكر والتوقع (لو فراق حبيب مثلاً: تذكر الأوقات السعيدة معه، أو توقع لقياه لاحقًا). وآلام الخوف من الموت، قال ابيقور: الموت هو انعدام الحس، فمن أي شيء تخاف إذن؟ حينما يوجد الموت لن تكون موجودًا. عن الخوف من عذاب الآلهة، قال إن الآلهة يعيشون في نعيم دائم، ولن يزيدوا سعادة بتعذيبك. فضلاً عن أنهم لا يهتمون بنا. ولذلك نرى أن الأبيقوريون صوروا الآلهة منعزلين تمامًا عن عالم البشر.
يدعو الأبيقوريون إلى ما يسمى ب atraxia أو الخلو من الهموم والآلام، أو الأباثيا apathia  (الخلو من الانفعال). وفيما بعد انحصر مذهب أبيقور، وصارت تعاليمة منحصرة في هذه الجملة ”لنأكل ونشرب لأننا غدًا سنفنى.[17] قال الأبيقوريون بالصدفة أو الاتفاق وإنكار العناية، وسنجد كثير من آباء الكنيسة يفندون فكرة إنكار العناية الإلهية. على سبيل المثال، البابا ديونسيوس السكندري له كتاب بعنوان ”في الطبيعة“ يفند فيها هذه المزاعم ويقول: ”لأنه لو وجد صدفة فإن الحكمة التي تديره وتدعم تركيبه البنائي من الممكن أن تزول منه، لأن الرداء لا يتكون من أنسجة متراصة معًا بدون نسَّاج“.[18] وهكذا البناء يحتاج إلى بناء، والسفينة إلى من يصنعها، فلا الحجارة تجتمع معًا لتشكل بناءً بالصدفة، ولا عوارض السفينة كذلك.  
6- الرواقيين
يقيمون الأخلاق على الواجب وليس اللذة. يقولون بالعناية الإلهية ولكنهم يؤمنون بالقدر. لذا ستجد كثير من آباء الكنيسة يفندون فكرة القدر، ونادوا بالحتمية النجمية.. أي تحديد لمصائر الناس بناء على حركة الأجرام السمائية. سنجد ق غريغوريوس النيسي يكتب مقالة بعنوان "ضد القدر" لتفنيد هذه الفكرة. كما قاوم يوستين الشهيد القدرية الرواقية في دفاعه الثاني 7 ويقول "أننا لا نعلّم (كما يفعل الرواقيون) بأن الإنسان يعمل ويتألم كما يملي عليه القدر، بل نؤمن أن كل إنسان يفعل الخير أو الشر بإرادته الحرة.. وبما أن الله منذ البدء خلق جنس الملائكة والناس ولهم إرادة حرة، فهم بعدل سوف يدفعون ثمن خطاياهم في النار الأبدية، فالإنسان بطبيعته له إمكانية الفضيلة والرذيلة، ولن يستحق المديح على أي عمل يعمله ما لم تكن له القدرة على أن يميل إلى أي منهما (اي الخير والشر)".[19] 
يقول الرواقيون باللوغوس المنبث في العالم. وقد طوّر بعض آباء الكنيسة الفكرة الرواقية عن اللوغوس، مثل يوستين الشهيد، وثاؤفيلوس الأنطاكي، وإكليمندس السكندري. ميّز الرواقيون بين اللوغوس الباطن أو الكامن endiathetos في أحشاء الله، ثم قبل الخلق صار هذا اللوغوس مُعبر عنه prophorikos. يقول بول تيليش: "لقد استخدم يوستين المذهب الرواقي القائل بمحايثة[20] اللوغوس وتنزيهه. فاللوغوس في الله هو اللوغوس الكامن. هذا اللوغوس الأبدي.. الذي عبر الله به عن ذاته لذاته، يصبح مع الخلق اللوغوس المنبثق المتدفق. وفي هذه الحالة يكون اللوغوس هو الكلمة المنطوقة إلى الخارج، إلى المخلوق، من خلال الأنبياء والعقلاء من البشر."[21] هذا اللوغوس المجرد في الرواقية سيصير جسدًا في المسيحية، وهذه الفكرة لم تخطر على خيال أي فيلسوف يوناني على الإطلاق. كما استفاد الآباء بكلام فيلون السكندري عن اللوغوس. يقول فيلون: "قال إن الله هو الوجود المطلق، يفوق الإدراك، غير متصل بالعالم. لذا خلق "اللوغوس"، وقال أنه الابن الأول لله، ثم العالم هو الابن الثاني لله."[22]
اعتقد الرواقيون بفكرة الاحتراق الكوني للعالم بمعنى أن العالم سيتعرض لاحتراق كوني ينتج من بعده عالم آخر جديد وهكذا يتكرر الأمر بلا نهاية، وكانوا يعتقدون أن الغاية من هذا الاحتراق هو التطهير. لكن ق يوستين في دفاعه الثاني يقول: ”نحن نقول بأن العالم سوف يحترق بالنار في النهاية بهذه الطريقة وليس كما يعتقد الرواقيون بأن كل الأشياء سوف تتغير إلى أشياء أخرى بحسب عقيدة التحول الشائنة“.[23]
نادى الرواقيون بضبط النفس والذهن بمعنى ألا يضطرب الذهن بالانفعالات. وبينما تخيَّل الأبيقوريون الله خاملاً بلا حراك، ومنعزلاً تمامًا عن هذا العالم، وخاليًا تمامًا من انفعالات الغضب أو الشفقة باعتبار أنها تتعارض مع طبيعته، اعتقد الرواقيون أن الله يمكن أن يكون شفوقًا ولكن لا يمكن أن يغضب. من ناحية اخرى، كان لبعض العبرانيين تصور بأن الله صارم، وأحيانًا يكون قاسيًا. ومِن ثم ظهرت صعوبات جمة أمام العقول التي تربت على مبادئ المدارس الفكرية اليونانية، ومَن منعهم إيمانهم الجديد من رفض أي جزء من العهد القديم. حاول الكثيرون إيجاد حل؛ فأرنوبيوس على سبيل المثال، وهو معلّم لاكتانتيوس، تبنى بحماس فكرة اللاإنفعال أو الأباثيا (apatheia) في الله والتي نادى بها الأبيقوريون.
بينما أصرَّ لاكتانتيوس بأن مثل هذه النظرية هدامة للاعتقاد بالعناية الإلهية وكذلك الاعتقاد بوجود الله نفسه. إذا كان الله موجودًا، فلا يمكن أن يكون غير فاعل (أو عديم التأثير)، لأن الوجود الحي معناه الفاعلية (التأثير). لابد أن ينخرط في عمل أو فعل، وهذا الفعل هو إدارة العالم.[24] بالإشارة إلى العقيدة الرواقية، يبيّن دحض لاكتانتيوس أن محبة الخير تنبع من كراهية الشر، وكراهية الشر تنبع من محبة الخير. ولا يمكن الفصل بين الاثنين.[25]
7- الأفلاطونية المحدثة
بدأت مع أمونيوس سقاص، وسقاس معناها حمّال، وقد ارتد عن المسيحية، وأسس مدرسة تخرج منها أوريجانوس وأفلوطين.[26] وأفلوطين فيلسوف مصري ولد في ليكوبوليس (أسيوط)، كان قد اشترك في حملة على بلاد الفرس حتى يتعلم فلسفتهم، لكن الحملة فشلت فلم يرجع إلى الاسكندرية، وأسس مدرسة في بلاد اليونان. مؤلفات أفلوطين كتبها فرفريوس في 6 مجلدات كل مجلد يحتوي على تسعة كتب، وسميت بتاسوعات أفلوطين.
يقول افلوطين: ”الله هو الموجود الأول. يتأمل ذاته فيعقل ذاته (يعلم أنه موجود) فيصدر عنه (العقل الأول)، هذا العقل هو صورة الله، ولكنه ليس الله نفسه. ويعود هذا العقل الأول فيتأمل ذاته فيصدر عنه "النفس الكلية" التي تملأ العالم. فترجع النفس الكلية بالتأمل في العقل الأول فيفيض منها كوائن متعددة هي نفوس الكواكب.. ثم يستمر الأمر حتى تصدر عن كل كائن كائنات أخرى أقل شبها بالعقل الأول المطلق حتى تفيض الهيولى وهي أدنى درجات الفيض.. لأنها مادة بلا صورة.“[27]
بشكل عام تركز الأفلاطونية المحدثة على اللاهوت السلبي، بمعنى أن الله ماهية يتعذر وصفها بأي من الأوصاف الإثباتية.[28]هذا اللاهوت السلبي يُسمى الأبوفاتي، ويقصد بالأوصاف الإثباتية اللاهوتي الإيجابي أو الكتافاتي. وسيحتل هذا الأمر ملمح رئيسي عند كثير من الآباء مثل غريغوريوس النيسي وغريغوريوس النزيانزي وآخرين. فعلى سبيل المثال يقول ق هيلاري أسقف بواتيه عن اللاهوت الابوفاتي: "لكن الله أضعف من أن تخبرنا بما هو الله، والكلمات لا يمكنها أن تعبر عن الحقيقة".[29]
 يسمي أفلوطين "المطلق"، و"العقل الكلي"، و"النفس الكلية" بالأقانيم الثلاثة. المطلق هو الله (ولا يستخدم كلمة الله).. هو الواحد الذي ليس له أي صورة، ومن فرط كماله يفيض بوجوده على الموجودات. العقل الكلي هو لوغوس المطلق، والنفس الكلية هي لوغوس العقل الكلي.
يشرح بول تيليش أن الأفلاطونية المحدثة أثرت على أوريجانوس وعلى ديونيسيوس الأريوباغي، وفي التصوف المسيحي بأكمله. ويقول تيليش: "من المستحيل أن تفهم التطور اللاحق الذي طرأ على اللاهوت المسيحي بدون معرفة شيء عن الأفلاطونية المحدثة".[30] وربما أهم فكرة من الأفلاطونية هي أن الشر ليس قوة إيجابية بل هو نفي لما هو روحي. الشر هو العدم أو اللاوجود، وهذا ما اتفق معه أغسطينوس فيما بعد في مقاومة المانوية التي اعتقدت أن الشر مصدره الله.
خاتمة:
برى ق إكليمندس السكندري أن "الفلسفة هي البحث الحثيث في الحق وطبيعة الأشياء"، ويصف الفلسفة مثل فيلو السكندري بأنها الملكة ويقول: "هناك من الرجال من فتنوا بصحبة الوصيفات وتركوا صحبة الملكة اي الفلسفة".[31] بينما رأى غريغوريوس النيسي أن هذه الملكة عقيمة لأنها في مخاض دائم ولا تلد الفضيلة: أي المسيح. ويشبه الفلسفة بابنة فرعون العقيمة، ويقول: "تلك هي التربية الدنيوية التي تحبل دائمًا ولا تلد أبدًا. يا للثمرة التي تنتجها الفسلفة بعد حبل طويل!"[32]



[1]  جوستاين غاردر، عالم صوفي: رواية حول تاريخ الفلسفة، دار المنى، صفحة 19.
[2] عمرو فروخ، الفسلفة في طريقها إلى العرب، بيروت، 1947، صفحة 7.
[3] يقول بول تيليش إن الصفات اللي أعطاها بارمنيدز للوجود أعطيت في المسيحية لله. تاريخ الفكر المسيحي، ج1 صفحة 77.
[4] أوريجانوس، ضد كلسوس، الكتاب الرابع 67- 68.
[5] يعلق د جورج عوض في مقدمة كتاب ق كيرلس مستشهدًا بهذا الاقتباس أن الفرق بين التجسم اليوناني والتجسيم الكتابي هو أن الأول أبطل الفارق الجوهري بين الخالق والمخلوق. 
[6]  حنا خباز، الفسلفة في كل العصور، صفحة 53.
[8] Emily Wilson, Death of Socrates, 2007, 141.
[9] نفس المرجع السابق.
[10] يوحنا ذهبي الفم، تفسير كورنثوس الأولى، العظة 4: 7.
[11] عالم صوفي، صفحة 99.
[12] ترتليانوس الأفريقي، ترجمة أمجد رفعت، إصدار مدرسة الأسكندرية، صفحة 170.
[13] نفس المرجع السابق.
[14] الاعترافات، الفصل 11، ترجمة الخوري يوحنا الحلو، صفحة 249.(
[15]  د. زينب الخضيري، لاهوت التاريخ عند أوغسطين، صفحة 50.
[16] نفس المرجع السابق.
[17] تاريخ الفلسفة، حنا أسعد، صفحة 107، ونلاحظ أنها ذاتها عبارة الرسول بولس في كورنثوس الأولى 15: 32.
[18] ديونسيوس السكندري الكبير، ترجمة أمجد رفعت، إصدار مدرسة الأسكندرية، صفحة 182.
[19] نفس المرجع السابق، صفحة 113.
[20] المحايثة imminence  هي عكس التنزيه transcendence الذي يعبر عن سمو الله وتعاليه على كل ما هو مخلوق، بينما المحايثة تعبر عن اتصال الله بالعالم عن طريق أعمال عنايته.
[21] بول تيليش، تاريخ الفكر المسيحي، ج1، ص 79.
[22] الفلسفة في طريقها للعرب، صفحة 78.
[23] يوستينوس الفيلسوف والشهيد، الدفاع الثاني فصل 7، إصدار بناريون، صفحة 113.
[24] الفصل 17: 4.
[25] الفصل 5: 9.
[26] راجع كواستن، علم الباترولوجي، المجلد الثاني، إصدار بناريون، صفحة 39.
[27]  الفلسفة اليونانية ووصولها للعرب، صفحة 79.
[28] موجز تاريخ الفلسفة، ترجمة د. توفيق سلوم، صفحة 86.
[29] هيلاري أسقف بواتيه، عن الثالوث الكتاب الثاني، فقرة 7.
[30] بول تيليش، تاريخ الفكر المسيحي، ج1، ص 102.
[31] أمجد رفعت، مملكتي، ص 152.
[32] غريغوريوس النيسي، حياة موسى، ص 47.