السبت، 6 يونيو 2020

التفسير اليهودي للكتاب المقدس



التدوينة دي ملخص لحوالي 200 صفحة من الكتاب المرفق صورته ”الأثر الإسلامي في الفكر الديني اليهودي“.
الموضوع هو: تطور تفسير التوراة عند اليهود.. واللي مر بكذا مرحلة.. المرحلة الأولى: هي مرحلة (النسّاخ) أو (السوفريم) ودي امتدت من موسى إلى فترة الهيكل الثاني.. المرحلة الثانية: هي مرحلة الرواة (التنائيم): ودي امتدت في فترة الهيكل الثاني وما بعده.. من شمعون الصديق آخر النساخ حتى تلاميذ الرابي يهوذا هناسي في بداية ق 3 الميلادي. مرحلة الرواة بتنقسم إلى جيلين: جيل المؤسسين.. وبيسموهم الأزواج لأنهم كانوا اتثنين اثنين، وساهموا في انتاج ما يُسمى بالتوراة الشفوية.. وجيل البناة.
جيل المؤسسين: ومنهم: 1- يوساي بن يوعزر، ويوساي بن يوحنان. 2- يوشع بن فرحيا، ونيتاي الأربلي. 3- يهوذا بن طاباي، وشمعون بن شطح. 4- شمعيا وأبطاليون. 5- هليل وشماي.  آخر اتنين دول معروفين لأنك هتلاقيهم في أي كتاب مقدمة عن العهد الجديد.. لانهم عاشوا في أواخر ق 1 قبل الميلاد، وال ق 1 بعد الميلاد.. يعني عاصروا هيرودس الملك.. هليل معروف بأنه اللي قسم المشنا إلى 6 أقسام وليه قواعد تفسيرية سبعة معمول بها إلى الآن.. عادة مكنش في اختلافات جوهرية بين كل زوج من اللي فاتوا.. لكن هليل وشماي تحديدًا كانوا مختلفين.. هليل متسامح، شماي متشدد. هليل بشوش، شماي عابس.. وهكذا.
جيل البناة/ أو التنائيم/ أو الرواة المتأخرين: ودول عاشوا من القرن 1- القرن 3 وعبارة عن 6 طبقات. الطبقة الأولى (من 10- 80م): ودول تلاميذ هليل وشماي.. وأشهرهم الرابي غمالائيل الكبير الوارد ذكره في سفر أعمال الرسل ومعلم الرسول بولس.. في واحد تاني اسمه الرابي يوحنا بن زكاي.. وده كان أهم تلاميذ هيليل وأكثرهم علمًا.. وكان ينصح بعدم الدخول في منزاعات مع الرومان.. وكان رئيس للسنهديرين، وقام بتفسير التوارة.
الطبقة الثانية (من 80- 120م) ومن أشهرهم غمالائيل الثاني اللي كان ليه دور سياسي في تهدئة الرومان على شعبه.. بعد خراب الهيكل والتنكيل باليهود.. في الفترة دي حصلت انقسامات بين الطوايف اليهودية.. واتهامات متبادلة بالكفر.. فكان دايمًأ يصلح ما بينهم.. حتى أنه اعترف بالسامريين كيهود.. الأمر اللي اعترض عليه ناس كتير.. لان قبله كان أي عقد جواز أو طلاق الشاهد عليه واحد سامري كان بيعتبر لاغي.. هو أبطل هذه الأمور.. وكان معتدل وبعيد عن العنصرية.. حتى أنه بعد ما مات.. حبوا يرجعوا على القديم تصدى ليهم الرابي يوحنان بن نوري.. غمالائيل الثاني يعتبر محطة مهمة في التفسير اليهودي.
الطبقة الثالثة من التنائيم البناة (120- 139م)، ومن أشهرهم الرابي عقيبا اللي هو أشهر مفسري اليهود. اشترك الرابي عقيبا في ثورة باركوبا (132- 136)، وكان على يقين بأن قائد هذه الثورة هو المسيح (بحسب اعتقاد اليهود) عارضه كثير من العلماء اليهود في كده.. وفي النهاية دفع حياته لدعمه لهذه الثورة. كان يرى في كل كلمة وكل حرف في العهد القديم معنى معينًا.. واستخدم في تفسيره قواعد التفسير اللي وضعها هليل. التلمود مليان بأحكام استنبطها عقيبا.. حتى أن البعض بيتندر عليه أن موسى نفسه تعجب لكثرة الشرائع اللي استنبطها من التوارة.. كان بيعرف اليونانية وأشرف على ترجمة أكويلا.. من أقوال الرابي عقيبا إنه لاحظ أن قطرات الميه ممكن تحفر في الصخرة.. قال أنه أكيد مخي مش أنشف من الحجر ده.. اقدر أتعلم كل يوم حبة حبة..
“My mind is not harder than a rock! I can learn- just like water cuts through stone- a little bit each day.”
الطبقة الرابعة من التنائيم (139- 165م)، ودول تلاميذ الرابي عقيبا.. وأشهرهم الرابي مئير.. كان ليه أثر كبير في التنظيم النهائي للمشنا على يد الرابي يهوذا هناسي.. رأى الرابي مئير الشريعة كلها وحدة واحدة لا تتجزأ.. والمرتاب في أمر واحد كالمرتاب في التوراة بأجمعها. الطبقة الخامسة من التنائيم (165- 200م)، من أشهرهم الرابي يهوذا هناسي، اللي كان رئيس السنهدرين في عصر ماركوس أوريليوس.. ويرجع ليه الفضل في تدوين المشناه (التوراة الشفوية). الطبقة السادسة من التنائيم (200- 220م)، بعض الناس بتعتبرهم نصف رواة (تنائم) ونصف شراح (أمورائيم) علشان بينهوا عصر الرواة وبيبدأوا عصر الشراح.. بشكل عام نقدر نقول إن كان دور الرواة الحفاظ على نصوص العهد القديم وشرحها للجمهور.. لذلك كان عندهم قول مشهور هو "ابحث عنها، ابحث فيها، لأنها تشمل كل شيء" ويقصدون التوراة.
بعد ما اتكلمنا عن طبقة النساخ ثم الرواة (التنائيم) نيجب لجماعة الشراح أو (الأمورائيم).. ودول ظهروا بعد تدوين المشنا (التوراة الشفهية) وكان دورهم شرحها وتفسيرها.. وكانوا مجموعتين: الشراح البابليين (219- 500م)، والثانية في أورشليم (219- 359م) دول عملوا الجمارا البابلية والثانيين عملوا الجمار الأورشليمي. المشنا+ الجمارا= تلمود. علشان كده عندنا التلمود البابلي والتلمود الأورشليمي. علماء بابل كانوا أقوى واستمروا لوقت أطول من اللي كانوا في اورشليم. الشراح في أورشليم كانوا 3 طبقات:
1-  من أشهرهم يوحنان بن نفاحا اللي شجع الرابي شمعون بن لقيش على الإنضمام ليه، الأخير ده كان ليبرالي في تفكيره حتى أنه قال إن سفر أيوب مش قصة حقيقية.. 2-  أشهرهم واحد اسمه رابي زيرا أو زعيرا. 3- من أشهرهم الرابي إرميا تلميذ الرابي زيرا. الشراح في بابل كانوا 6 طبقات:
1-              أشهرهم أبا ريكا، ومار شموئيل (وكان ليه في الفلك والطب وكان مقرب من الملك شابور ملك الفرس).
2-              أشهرهم راب هونا، يهوذا بن يحزقئيل، اللي أدخل الجدل في مدرسته، حتى قيل عنهم "يستطيعون أن يدخلوا فيلاً في سَم الخياط".
3-              أشهرهم يوسف بن برحيا، واباي، رابا بن يوسف اللي لقب بمحرك الجبال نظرًا لحدة عقله وعباراته المنطقية..
4-              اشهرهم آشي بن شيمي، وراب ديمي،
5-              ماريمار،
6-              ربا توسفيا، ويوساي.
يمكن تلخيص مجهودات الشراح دول في إنتاج الجمارا اللي هي شرح المشنا.. والجمارا البابلية كانت محتواها أكبر من الأورشليمية (5أضعاف) وأكثرها ترابط منطقي وجدلي في حين التانية كانت اقصر وكانت أكثر بساطة. وأهم منجزات الرواة هي المشنا.. اللي بتحتوي على مجادلات ومناقشات وفتاوي.. واستنباط أحكام وشرائع.. كل ده كام شفاهي.. ثم تم تقييده على يد يهوذا هناسي.

الجمعة، 5 يونيو 2020

الأثر المعتزلي في ترجمة التوراة لسعديا جاؤون الفيومي



سعديا بن يوسف الفيومي، عاش بين (882- 942م)، وولد في قرية ”أبو صير“ بمحافظة الفيوم، ثم انتقل إل فلسطين وبغداد، وتتلمذ على يد اللغويين العرب، وتشربت روحه بمذهب المعتزلة. كان لأفكاره بالغ الأثر في تطور الفكر اليهودي في زمانه وعلى المفكرين من بعده. في هذه الورقة البحثة سأحاول أن أتتبع التأثير المعتزلي في ترجمته للتوراة.
مقدمة
عارض المعتزلة مَن يقولون بإمكانية رؤية الله في الحياة الأخرى، الذين اعتمدوا على بالنص القرآني الذي يقول ”وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ“ (سورة القيامة 23)، لكن المعتزلة رأوا أن إثبات الرؤية لله تقتضي نقصٌ ينبغي نفيه عن الله، والدليل القرآني على ذلك في النص الذي يقول ”لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ“ (سورة الأنعام 103). واستعانوا أيضًا بأحديث منسوبة للنبي تؤكد نفي رؤية الله، مثل حديث أبي ذر لمّا سأل النبي محمد ”هل رأيت ربك؟“ قال ”نورٌ أني أراه“ (صحيح مسلم، باب الإيمان، حديث 461، 462).[1] تأثر سعديا الفيومي بهذا الطرح المعتزلي، كما يظهر في ترجمته للآيات التي تتضمن تعبيرات توحي برؤية الله كما سنبين لاحقًا. في ذات الوقت تأثر سعديا بالمعتزلة في مسألة رفض التجسيم، ففي مقابلات الله في التوراة، نجده يبدل الله بملاك الله، ويتبع نفس المنهجية في ترجمته لبعض الآيات التي تتضمن تعبيرات مصل يد الله وذراع الله كما سنبين أيضًا.
وجه الله أم نور الله؟
في خروج 24 عندما تكلم الله مع شعب بني إسرائيل، يقول النص البيروتي أن الشعب ”رأوا الله“ (ع11)، لكننا نجد الفيومي يترجمها ”نظروا نور الله“.[2] وقبل ذلك عندما رأى موسى العليقة المشتعلة ”خَافَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى اللهِ“ (خر3: 6)، فيترجمها الفيومي أنه خاف أن ينظر ”نور الله“.[3] وفي خروج 33 يقول الله لموسى ”وَجْهِي يَسِيرُ فَأُرِيحُكَ“ (ع14) لكن الفيومي يترجمها ”نوري يسير معك“.[4] وبقية القصة كما هو موضح في الجدول التالي:
خروج 33: 18- 23 (الترجمة البيروتية/ فانديك)
خروج 33: 18- 23 (سعديا الفيومي)
فَقَالَ: «أَرِنِي مَجْدَكَ». فَقَالَ: «أُجِيزُ كُلَّ جُودَتِي قُدَّامَكَ. وَأُنَادِي بِاسْمِ الرَّبِّ قُدَّامَكَ. وَأَتَرَاءَفُ عَلَى مَنْ أَتَرَاءَفُ، وَأَرْحَمُ مَنْ أَرْحَمُ». وَقَالَ: «لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَرَى وَجْهِي، لأَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَرَانِي وَيَعِيشُ». وَقَالَ الرَّبُّ: «هُوَذَا عِنْدِي مَكَانٌ، فَتَقِفُ عَلَى الصَّخْرَةِ. وَيَكُونُ مَتَى اجْتَازَ مَجْدِي، أَنِّي أَضَعُكَ فِي نُقْرَةٍ مِنَ الصَّخْرَةِ، وَأَسْتُرُكَ بِيَدِي حَتَّى أَجْتَازَ. ثُمَّ أَرْفَعُ يَدِي فَتَنْظُرُ وَرَائِي، وَأَمَّا وَجْهِي فَلاَ يُرَى».
قال: أرني الآن وقارك. قال له: أنا أمر بجميع نوري بين يديك، وأنادي بحضرتك، وأرؤف على من أرؤف، وأرحم لمن أرحم. وقال له أيضًا: لا تستطيع أن تنظر أول نوري، لأنه لا يراه إنسان فيحيا. فقال له الله: فهوذا موضع عندي انتصب على الصوان. فإذا مرّ بك نوري صيرتك في نقور الصوان، وظللت بسحابي عليك حتى يجوز أوله. ثم أزيل سحابي حتى تنظر أواخر نوري،ـ وأوائله لا ترى.[5]

يتضح من الجدول السابق أن الفيومي يفضل تعبير ”نور الله“ بدلاً من تعبير ”وجه الله“ الذي ينطوي على تجسيم واضح. نفس الشي تعبير ”ورائي“ الذي يعني ”خلف“ أو حتى ”قفا” الله، يلجأ الفيومي إلى وصف ذلك بأواخر نور الله في مقابل ”أول نور“ الله، أي وجهه، ويستبدل كلمة ”مجدي“ بنوري أو وقاري أحيانًا.   
الله أم ملاك الله؟
على نفس المنوال نجد تغييرًا واضحًا في النصوص التي تتضمن التجسيم (الأنثروبومورفيزم)، أي نعت الله بصفات بشرية. ففي قصة مصارعة يعقوب مع الله، يقول يعقوب ”نَظَرْتُ اللهَ وَجْهًا لِوَجْهٍ“ (تك32: 30)، فيترجمها سعديا ”رأيت ملاك الله مواجهة“.[6] وموسى الذي قيل إنه كان يتكلم مع الله ”وَجْهًا لِوَجْهٍ، كَمَا يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ“ (خر33: 11)، يترجمها الفيومي ”ويتكلم الله مع موسى شفاهًا كما يكلم المرء صاحبه“.[7] فيتجنب ذكر كلمة ”وجه“ كما شرحنا سابقًا. كذلك في تك 3: 5 يغير صيغة التحذير لآدم وحواء من ”تَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ“ إلى ”تصيران كالملائكة عارفين الخير والشر“.[8] ومرة أخرى بدلاً من ”جَاءَ اللهُ إِلَى أَبِيمَالِكَ فِي حُلْمِ“ (تك 20: 3)، يترجمها ”جاء ملاك الله إلى أبيمالك“.[9]
يد الله أم قدرته؟
بالطبع يُنسب لله كثيرًا في أسفار موسى الخمسة تعبيرات مثل يد، وذراع، وإصبع، وهي تندرج تحت الوصف التجسيمي الذي رفضه المعتزلة، وفسروا آية ”يد الله فوق أيديهم“ (سورة الفتح 10)، تفسيرًا مجازيًا كتعبير عن سلطان الله على خلقه، في حين فسرها الفريق المضاد المتشدد بأن لله يدًا أكبر من يد البشر كلهم. نرى أثر ذلك في ترجمة الفيومي فهو يستبدل تعبير ”إصبع الله“ (خر31: 18) بتعبير ”قدرة الله“.[10] وفي مرات يترك تعبير يدي الله، وفي مواضع عدة يترجم مثلا تعبير ”أَمُدُّ يَدِي وَأَضْرِبُ مِصْرَ“ (خر3: 20) بتعبير ”أبعث بآفتي فأضرب المصريين“. من الواضح أنه كلما استطاع كان يتجنب تعبير ”يد الله“.[11] 
قراءة نقدية
كثير من المصادر تنسب هذا التأثر الواضح للفيومي في مسألة إنكار الصفات بالمعتزلة، مشددين على دور الإسلام في التأثير على غير المسلمين، وأن اليهود لم يكونوا سوى نقله عن علماء المسلمين. لكن ربما تكون هذه نظرة من جانب واحد؛ إذ يصرح المستشرق الأمريكي البارز هاري ولفسون في كتابه ”فلسفة المتكلمين“ أن هناك من الباحثين المحدثين مَن يقولون بوجود أصل مسيحي لإنكار المعتزلة للصفات الإلهية.[12] ويستشهد ولفسون ببيكر الذي يقول أيضًا إن إنكار المعتزلة للصفات ”يستند إلى الرأي المسيحي الذي يذهب إلى أن عبارات التشبيه في الكتاب المقدس لا يجب أن تؤخذ حرفيًا“.[13] وبالفعل نحن نجد تأصيلاً لهذا لدى العلامة أوريجانوس في كتابه العمدة ”المبادئ“ إذ يؤكد أن الله ليس بجسم، وبالتالي لا يُرى؛ لأن الرؤية من خصائص الأجسام، ويقول ”هكذا نحسب أن موسى قد شاهد الله، لا من حيث مشاهدته بعيني الجسد، وإنما من حيث فهمه برؤية القلب وحس الإدراك“.[14]
نفس الشيء نجده عند يوحنا الدمشقي الذي عاش بين (676- 749م)، وكان والده وزيرًا في بلاط الخلافة الأموية، إذ يقول: ”كل ما يُقال في الله بصورة جسمية إنما يُقال بصورة رمزية... يُراد بعيني الله وجفنيه ونظره قوته المشرفة على الكل ومعرفته التي لا خفي أمامها... ويُراد بأذنيه وسمعه تعطفه واستجابته سؤلنا... ويُراد بفمه وكلامه إعلان مشيئته... ويُراد بوجهه إعلانه تعالى... ويُراد بيديه فاعليته في عمله... ويُراد بيمينه إغاثتنا في الصالحات“.[15]نفس المعاني نجدها في تفسير الزمخشري، الذي عاش بين 1074- 1143م، وهو معتزلي العقيدة؛ إذ يقول بأن العين تعني المراعاة والمراقبة، وكذلك القاضي عبد الجبار، وهو أحد مؤسسي المعتزلة، الذي يقول بأن المقصود بالوجه هو الذات، والمقصود باليد القوة.[16]
خاتمة
يظهر جليًا أن سعديا الفيومي تأثر برفض المعتزلة للتجسيم والتشبيه في ترجمته للتوارة، مما جعله يفضل تعبير ”نور الله“ بدلاً من ”وجه الله“، وأحيانًا ”قدرة الله“ عن ”يد“ أو ”إصبع الله“. واستبدال كلمة ”الله“ ب ”ملاك الله“. هذا فضلاً عن تأثره بمناهج التفسير والتأويل أيضًا، مما جعل الباحثين الإسلاميين يبرزون دور الفكر الإسلامي في تطور الفكر اليهودي. لكننا رأينا أن المعتزلة هو بدورهم قد تأثروا بالجدل المسيحي، وأن رفض التجسيم كان مستقرًا في المسيحية قبل ظهور الإسلام.  



[1] عزة محمد سالم، أثر مناهج تفسير القرآن الكريم في تفسير الحاخام سعديا جاءون لسفر التكوين، (مكتبة الآداب، القاهرة، 2009)، 142.
[2]  سعديا بن جاؤون بن يسوف الفيومي، تفسير التوراة بالعربية، أخرجه وصححه يوسف درينبورج، نقله إلى الخط العربي وقدم له وعلق عليه سعيد عطية مطاوع، وأحمد عبد المقصود الجندي، (المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2015)، 250.
[3]  نفس المرجع السابق، 201.
[4] نفس المرجع السابق، 274. 
[5]  نفس المرجع السابق، 274، 275.
[6]  نفس المرجع السابق، 153.
[7]  نفس المرجع السابق، 274.
[8]  نفس المرجع السابق، 86.
[9]  نفس المرجع السابق، 119.
[10]  نفس المرجع السابق، 269.
[11]  نفس المرجع السابق، 203.
[12]  هاري ولفسون، فلسفة المتكلمين، ترجمة مصطفى لبيب عبد الغني، (المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2016)، المجلد الأول، 118.
[13]  نفس المرجع السابق، 119. 
[14]  أوريجانوس، المبادئ، ترجمة الأب جورج خوام البولسي، (المكتبة البولسية، لبنان، 2003)، 182.
[15]  القديس يوحنا الدمشقي، المئة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي، تعريب الأرشمندريت أدريانوس شكور، (المكتبة البولسية، لبنان، 1991)، المقالة 11، 76.
[16]  د. السعيد شنوقة، التأويل والتفسير بين المعتزلة والسنة، (المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة، 2005)، 157.

الأحد، 17 مايو 2020

الرسائل الفصحية- ج 2 ق أثناسيوس



الجزء التاني يحتوي على 6 رسائل فصحية. ترجمة د وهيب قزمان، مراجعة د نصحي عبد الشهيد، المركز الأرثوذكسي، في 90 صفحة.
الرسالة العاشرة (26 مارس 338 م)
كتبها ق أثناسيوس وهو بعيد عن شعبه.. وبيقوهمل أنا هاعيد معاكم رغم بعد المسافة ”لأن الرب هو واهب العيد وهو ذاته عيدنا.. فإنه لا يمكن أن يفصل بيننا أي مكان، بل إن الرب يجمعنا ويوحدنا معًا“، وهو وعد بأنه إذا اجتمع اثنين أو ثلاثة أكون في وسطهم.. ويتكلم عن تعاملات الله معاه وقت التجارب ووقت الراحة.. وبيقول ”لأن الله لا يستخدم طريقة واحدة فقط لشفائنا، لكن لأنه غني، فهو يعمل بطرق كثيرة لأجل خلاصنا بواسطة كلمته غير المحدود، والذي لا يعوقه أمر في معاملاته معًا.. وهو يكيّف معاملاته حسب قدرة كل نفس“، وبيقول كمان ”لأن الكلمة في الكنيسة لها عدة ثمار، والحصاد وفير، وهو حقل لا يتزين بالعذارى فقط، ولا بالرهبان وحدهم، بل بالزواج المكرّم أيضًا، وبعفة الجميع“. ربنا عنده منازل كثيرة.. لكن كلنا هنكون داخل الأسوار، وهندخل نفس الحظيرة، ثم يتكلم عن الصبر في الضيقات.. ثم يقول هذه هي طرق الرب في استرجاع بني البشر:
”تألم ليحرر من الألم مَن يتألمون فيه، نزل ليرفعنا،
أخذ على نفسه تجربة أن يولد بالجسد، لنحبه هو غير المولود،
نزل إلى الموت والفساد، ليلبسنا عدم الموت وعدم الفساد،
صار ضعيفًا لأجلنا، لنقوم في قوة،
هبط إلى الموت، ليمنحنا الخلود. ويهب الحياة للموتى،
وأخيرًا صار إنسانًا حتى إننا نحن الذين نموت كبشر، نحيا من جديد ولا يسود علينا الموت بعد“.
الرسالة الحادية عشر (15 إبريل 339 م)
فيها شرح لمنهجية ق بولس وكلامه قريب الشبه جدًا بتفاسير أوريجانوس بالأخص تفسيره لرومية، من جهة مدحه للقديس بولس، وفيها يستشهد برسالة الراعي لهرماس اللي بيقول عنها أنه في بداية الرسالة يتأكد الإيمان بإله واحد، وبيقول إن استراتيجية كتاب الأناجيل أنهم يأكدوا الأول عن أن الله هو الخالق ثم يتحدثوا بعد ذلك عن المعجزات (زي يوحنا اللي قال في البدء كان الكلمة) أو البشير متى التي قال إنه عمانوئيل.
ق أثناسيوس بيقول ”الإيمان والتقوى متلازمان، الواحد مع الآخر، بل هما شقيقان“. وهما الاثنين بيسندوا على بعض كما ”يساعد الأخ أخاه“، و”يصيران كحائط الواحد بالنسبة للآخر.. وينميان بالمثل، يرتبطان معًا، من يمارس واحدًا منهما، فالبضرورة يتقوى بالآخر“. وبيرد على الأريوسيين متهمًا إياهم بأنهم مثل اليهود لأن الاثنين لم يعترفوا بألوهية المسيح: ”لأنه لو كان مخلوقًا حسب زعمهم، لأمسك به الموت، لكنه لم يمسك من الموت، بحسب الكتب. فهو ليس بمخلوق إذن، بل هو رب المخلوقات“. وإن موت المسيح ”ليس للحزن بل للفرح؛ لأن هذا الذي يموت لأجلنا هو حي“.
الرسالة الثالثة عشر (19 إبريل 334)
ق أثناسيوس بيشجع شعبه ضد الاضطهاد، وإنهم يفكروا دائمًا في الحياة الأبدية ”لأن كل الأمور الحاضرة تافهة إذا ما قيست بالرجاء الموضوع أمامنا“ ثم يذكر من سفر تك 49: 14 شخصية يساكر أنه ”رأى المحل أنه حسن، والأرض أنها نزهة، أحنى كتفه للحمل وصار للجزية عبدًا (فلاحًا)“، وبيقول عليه ”ذاب بالحب الإلهي مثل عروس النشيد، وجمع الكثير من الكتب المقدسة، ذهنه لم يكن أسيرًا بالقديم فقط بل بالميراثين معًا، وإذ فرد جناحيه رأى من بعيد الراحة، التي هي في السماء. وإذا كانت هذه الأرض  تتكون من مثل تلك الأعمال الجميلة، فكم بالأكثر حقًا تكون المدنية السماوية“. تفسير ق أثناسيوس هنا متأثر بترجوم يوناثان على شخصية يساكر.
الرسالة الرابعة عشر (3 إبريل 342)
لا يزال ق أثناسيوس يطبق حادثة الخروج والفصح على شعبه اللي بيعاني من الاضطهاد والحر بعد عبوره البحر لكنه بيدعونا لنقبل الله ونرتوي.
الرسالة التاسعة عشر (12 إبريل 347)
لا يزال يشرح رمزية العهد القديم بالنسبة للجديد.. والرسالة دي فيها جزء تاريخي مهم جدًا بيذكر فيه رسامة أساقفة جدد على مدن كثيرة بيذكرها بالاسم والاسقف السابق والتي تم رسماته بالأسماء.
الرسالة العشرين (12 إبريل 348)
في تشابه كبير بينها وبين الرسالة الفصحية رقم 7.

الرسائل الفصحية- ج1 ق أثناسيوس



ترجمة : وهيب قزمان، مراجعة د. نصحي عبد الشهيد، المركز الأرثوذكسي، 110 صفحة. يتضمن الرسائل من 1-7.
في المقدمة يذكر أن تاريخ الاحتفال بعيد القيامة اتناقش في 6 مجامع محلية دون التوصل إلى حلول مرضية بين الطرفين: مسيحو آسيا الصغري وأنطاكية بيعيدوا 14 نيسان بحسب التقويم العبري- في أي يوم من الأسبوع، لكن كنائس الاسكندرية وروما والغرب بتعيد في الأحد التالي للفصح اليهودي اللي كان بيتعمل يوم الجمعة.
الرسالة الأولى (6 إبريل 329م)
بيقول عروس النشيد كانت بتصلي ”ليتك، كنت كأخ لي الراضع من ثدي أمي“، أي ليتك كنت كبني البشر تحمل آلام البشرية من أجلنا، والله استجاب لما قال ”في وقت مقبول استجبتك“ (إش 49). بيربط ق أثناسيوس بين أعياد اليهود وأعيادنا ويشرح إزاي كل بوق كان ليه دعوة معينة (عيد/ حرب/ صوم). وبيقول ”كان الناموس مثيرًا للإعجاب، وكان الظل ساميًا“ ومع ذلك لازم نشوف المعنى المقصود تاركين الرمز جانبًا و”نتقدم إلى الحقيقة عينها متطلعين إلى الأبواق الكهنوتية التي لمخلصنا“ الأبواق كانت تهتف للحرب بس المرة دي الحرب مع إبليس وجنوده، ومرة للبتولية، أو إنكار الذات، أو الاتفاق الزيجي، وأحيانًا للصوم، وللعيد.. وأعظم بوق لما قال المسيح ”إن عطش أحد فليقبل إليّ ويشرب“ فالمسيح بيدعونا لعيد عظيم جدًا إن كنا مستعدين كطاعة لنداء البوق.
لازم نصوم...وطعام النفس هو الفضائل أو الرذائل. ممكن النفس تتغذى على الخطية. وبيجيب آية من سفر الخروج ”جعلته (أي الشيطان) طعامًا لشعب كوش“. وبالتالي زي ما المسيح خبر سماوي، هكذا الشيطان هو طعام الدنسين – ثم يتحدث عن إبطال الرموز في الناموس... ويعتمد على نص من ناحوم 1: 15- 2: 1 بحسب السبعينية. عن صعود شخص ”قد انتهى...قد صعد ذاك الذي نفخ“..وبيطبقا على المسيح، لا موسى، ولا صموئيل، بل المسيح الذي صعد ونفخ في وجه تلاميذه.
الرسالة الثانية (19 إبريل 330م)
لازم نقتدي بالقديسين في احتفالاتهم بالعيد- عكس كده الناس تشبه البهائم في لذاتهم الجامحة (كلام أفلاطون) فلازم نرتفع بأذهاننا عن الأمور المنظورة ولا نخدم شهواتنا (كلام أفلوطين). وبيفسر مقدمة لوقا ”كثيرون أخذوا بتأليف قصة“ على أن كلمة تأليف هنا اختراعات غير صادقة وليس عملية التأليف نفسها.. ويؤكد أهمية التقليد والتسليم الرسولي ونذكر بعضنا بالتقاليد الرسولية، ونقدمّ التعاليم كما استلمناها من الآباء.
الرسالة الثالثة (11 إبريل 331)
العيد يعني نعبد الله ونشكره.. يتحدث ق أثناسيوس عن العبد الذي لم يرحم صاحبه.. وصاحب الوزنة التي دفنها.. واستحق العقاب، ويقول ”كان هذا عدلاً ومعقولاً.. ينبغي أن تتجاوب إرادتنا مع نعمة الله.. وإلا فإن هذه النعمة الممنوحة لنا تبدأ في مفارقتنا، إذا ظلت إرادتنا خاملة“ ثم يقول عبارة خطيرة ”لا رجاء لناكري الجميل، والنار الأخيرة، المعدة لإبليس وملائكته تنتظر أولئك الذين لم يستجيبوا للنور الإلهي“ في العيد لازم نشكر ربنا مهما كانت المضايقات ”المؤمنين يكونون أقوياء طالما هم يواظبون على الشكر“.
الرسالة الرابعة (2 إبريل 332)
يجب أن نتمثل بصوم يهوديت وأستير، ”ثورة الطاغية لم تنهزم إلا بالصوم والصلاة إلى الله“. ويربط بين حمل الفصح وعيد القيامة.. اليهود مسحوا قوائم أبوابهم بالدم.. ونحن نختم قوائم أبواب قلوبنا بدم العهد الجديد.. ويشير بذلك إلى التناول. لكن وصية الرسل إننا نتعدى حدود الرمز إلى الحقيقة الروحية.
الرسالة الخامسة (16 إبريل 333)
في العيد من المستحيل تقدر نرد لربنا إحسناته علينا.. لكن في نفس الوقت من الشرير ”أن ننال العطية الثمينة دون أن نعترف بها“. وأقل شيء نقدّم لربنا الشكر، ونكرس أنفسنا لله، وبيقول ”نرد الجميل للرب بكل قدرتنا، مع إننا عندما نرد فإننا لا نعطي أصلاً من عندياتنا، بل مما سبق أن أخذناه منه“. في العيد مش هنعمل زي الوثنيين، وهنعيد بطهارة ونقاوة، ومش هنعمل زي اليهود اللي لسه متمسكين بالظل والرمز – لكن إحنا استنارتنا ببهاء نور الحق، ومش هنعمل زي المنشقين، وهناكل الفصح في بيت واحد، أي في الكنيسة الجامعة.. يذكر آية ”اذكر يسوع المسيح الذي قام“ وبيقول ”ليس كأن موسمًا معينًا قد تحدد للذكرى، بل يجب أن نكون متفكرين في الرب في جميع الأوقات... لذلك سمح بتحديد وقت للتذكر.. ليعلن للقديسين مكافأة دعوتهم وليحث المتكاسلين“.
الرسالة السادسة (7 إبريل 334).
بيقول إن ربنا قال لليهود الفصح ”للرب“ وطالما اضطهدوا الرب، فهو عيد بلا جدوى بالنسبة ليهم، وعلشان كده اتغيّر اسمه وبقى اسمه ”فصح اليهود“ مش فصح الرب؛ لأنهم أنكروا رب الفصح. في جزء مهم قوي بيقول فيه ”لقد وبخ الرب بحق أولئك الذين اشتركوا باطلاً في سفك دمه، في حين أنهم لم يستفيدوا أنفسهم من جسد الكلمة قائلاً في المزامير ”ما الفائدة من دمي إذا نزلت إلى الفساد“ هذا لا يعني أن نزول الرب إلى الجحيم كان بلا فائدة، فإنه بنزوله ربح العالم كله، لكنه يعني بالحري أنه رغم أنه تألم هكذا، يفضل الخطاة أن يخسروا حياتهم، بدلاً من أن يستفيدوا من هذا النزول، إلا أنه اعتبر خلاصنا مسرة وربحًا عظيمًا، وبعكس ذلك ينظر إلى هلاكنا كخسارة كبيرة“. للرد على من يستخدمون نص بطرس لتأكيد تعليم الأبوكتاستاسيس. وبعد كده بيتكلم عن مَثل الوزنات وطرد العبد الشرير الذي لم يتاجر- ويقول ”لأن الله لا يريد أن تكون النعمة التي نلناها منه غير نافعة، لكنه يطالبنا أن نحتمل أتعابًا، لكي نقدّم له ثماره اللائقة“
وفي نفس الرسالة قبلها بيقول ”يجب أن لا نقبل النعمة باطلاً“ ويتحدث عن لعنة شجرة التين كرمز لرفض الله لليهود لكنه بيقول هو لعن الشجرة علشان لا تثمر.. لكنه لم يبدها نهائيًا ولم يستأصلها، بمعنى أنه ”أبطل الظل إذ جعله ييبس، لكنه أبقى الأصل، حتى نطعم نحن فيه“. ثم يتحدث عن إبراهيم أنه رأى المسيا في الكبش. ومُنع إبراهيم من ذبح ابنه ”لئلا يتخذ اليهود من ذبح اسحق فرصة لرفض الإعلانات النبوية عن مخلصنا“. ولم يقصد بالذبيحة اسحق بل إبراهيم الذي قدمها ”هكذا قبل الله نية مقدم الذبيحة“.
الرسالة السابعة (30 مارس 335)
بيقارن بين الأشرار والأبرار... وإزاي الأبرار أماتوا الجسد مع الأهواء، أما الأشرار دفنوا النفس في الشهوات.. دول موتهم شر (مز 34: 21 س) ودول عزيز في عيني الرب موت أتقيائه.. العيد مش بالأكل والشرب بل بتمجيد الله وتقديم الشكر له.. وبيقارن بين خبز الخطية، وخبز الحياة، الأولاني الأشرار يأكلوه فيموتوا، لكن الثاني ”الرب لا يميت نفس الصديق جوعًا“ (أم 10: 3). ثم يتحدث عن المرأة الكنعانية، وإن المسيح وبخها مش كإزدراء بها لكن لأنها كانت تتوسل دون إيمان، لكن لما اقتنعت، نالت الإيمان، ”لأن الرب لم يعد يتحدث معها كأنها كلبة، بل تكلم معها باعتباره مخلوق بشري قائلاً: يا امرأة عظيم هو إيمانك“.. ولما أمنت نالت ثمر إيمانها- شفاء ابنتها.