الموضوع الأساسي للنيسي في هذا العمل هو ”الإنسان“،
الذي خلقه الله أخيرًا، ليس انتقاصًا من قيمته، بل كملكٍ لا يصح أن يأتي قبل
رعيته، وكضيفٍ لا يصح أن يدخل البيت إلا بعد تهيئته. مزج الله في جبلته عنصرين:
أرضي وسماوي. خلقه الله، الحِرفي الأعظم، بتأنٍّ وتروٍّ، على خلاف المخلوقات
الأخرى. خُلق لغاية. وكما أن التمثال الجامد هو صورة الملك، فإن الإنسان هو صورة
حيّة لله. خُلق أقل من حيوانات أخرى في القوة، وبلا أسلحة طبيعية مثل المخالب
والقرون، وقد قصد الله من ذلك أن يتعاون الإنسان مع الخليقة ويسخرها لاحتياجاته.
بحسب النيسي، خُلق الإنسان منتصبًا ليوجّه بصره إلى
أعلى حيث الله، وخُلق بيدين تعينان العقل. ويعتبر النيسي اليدين علامة من علامات
الكائن العاقل. خُلق الإنسان بعد الجماد والنبات والحيوان، ليعبّر عن تقدّم
الطبيعة نحو الكمال. خُلق الإنسان بإدراك حسي يتوسط بين المادة والروح. يتبنى
النيسي تقسيمًا ثلاثيًا للإنسان: جسدًا، ونفسًا، وروحًا. جسمه كآلة موسيقية تصدر
أصواتًا متنوعة، يعزف عليها العقل كموسيقار ماهر. ينظّم العقل المدخلات التي لا
حصر لها والتي تأتي عبر الحواس.
يرى النيسي إن الإنسان يتكون من قوة نامية (كالنبات)
وقوة حاسة (كالحيوان) ثم قوة عاقلة، ومع ذلك لا يمكن اعتبار هذه القوى الثلاث ثلاث
نفوس، لأن الإنسان وحدة واحدة. ويلفت النيسي أنظارنا إلى أمر في غاية الأهمية، ألا
وهو طبيعة اتصال العقل بحكم طبيعته الروحية بالجسد المادي، لكنه يخلُص إلى أن هذا
الاتصال غير مدرك وغير موصوف.
قالوا عن الإنسان إنه ”كون مصغّر“، لكن النيسي لم يرَ
في ذلك مفخرةً، لأن البعوضة والفأر لديه نفس العناصر التي تشكّل الكون أيضًا. لكن
النيسي رأى أن عظمة الإنسان في كونه مخلوقًا على الصورة الإلهية. أمّا معنى الصورة
فيسهب فيه النيسي، لكنه ذات مرة يقول إن معنى الخلق على الصورة هو أمر لا يعرفه
إلا الله. تقسيم الذكر والأنثى ليس في الأصل الإلهي، لأن الله أسمى من كل نوع
بيولوجي أو جندر، لكنه أمر ملازم لخلق الإنسان.
للنيسي آراؤه الخاصة أيضًا، فهو يرى أن نمط الحياة في
الجنة كان ملائكيًا لا وجود فيه للزواج أو التناسل الجنسي. هذا النوع من التناسل
هو نتيجة السقوط. أخذناه عن الكائنات الحيوانية غير العاقلة. كما أخذت طبيعتنا
الأهواء الجسدانية من الحيوانات أيضًا. ووقتما صارت مَلكة العقل خادمة لهذه
الأهواء -بعد السقوط- ابتكر الإنسان شرورًا لا مثيل لها في عالم الحيوان. أكثر ما
زاد من شر الإنسان -في نظر النيسي- هو تحالف العقل مع الشهوة، أو صيرورة العقل
خادمًا للأهواء. لكن العقل أيضًا يمكن أن يسير في مسار مختلف ويحول هذه الأهواء
إلى فضائل!
يعالج النيسي أيضًا مسألة الخلق من العدم، كيف ينشأ
المادي عن الله غير المادي. لكنه يلتمس ويلجأ إلى قدرة الله اللانهائية. هذه
القدرة الإلهية توجدنا من العدم، وتسمح بانحلال وجودنا، وهي أيضًا ما يعيد
تكويننا. لذلك كانت القيامة موضوعًا أنثروبولوجيًا هامًا لدى النيسي، لأنها مصير
هذا الكائن البشري. والقيامة أثبتها لنا الصادق الأمين، الرب يسوع، من خلال تأكدنا
من مصداقيته في تحقيق ما تنبأ به من أحداث مستقبلية وقد تحققت بالفعل، ومهّد لنا
القيامة من خلال معجزات تدريجية. بقدرة الله ستُجمع عناصر جسدنا بعدما تفرقت
وانجذب كلٌّ منها إلى قرينه، في مشترك عام، لأن الله وضع للنفس هيئةً تعرف ما لها
وتنجذب إليه.
إن تفاصيل تكوين الإنسان تدعو إلى العجب، فهناك
التكامل والمساهمة في حياة الجسد من الأعضاء المختلفة. يقدّم النيسي شروحات فسيولوجية
وتشريحية تدعو إلى العجب. كما يفنّد آراء فلاسفة عصره الذين تحدثوا عن الوجود
السابق للنفس وتناسخ الأرواح مبينًا سخافة هذه الأفكار. النفس عنده مولودة مع
الجسد في نفس البذرة الواحدة التي تتضمن كل مقومات الجسد والنفس، والتي ستتفتح
تدريجيًا فيما بعد. إن الإنسان عند النيسي هو الكائن الحي بالمعنى الحقيقي، لكن
الكائنات الحية الأخرى تحتوي بعض مظاهر الحياة فقط، لذا تُسمى ”حية“ مجازًا.
-----------------------
-----------------------
[1] العنوان اليوناني لهذا العمل هو Περὶ εἰκόνος ἀνθρώπου أو ”عن صورة الإنسان“، أو Ἤτοι θεωρία εἰς τὴν κατασκευὴν τοῦ ἀνθρώπου أو ”تأمل في خلق الإنسان“، والعنوان
اللاتيني هو De opificio hominis أو عن صُنع أو خلق الإنسان.
[2] Gregory of Nyssa, On the
Human Image of God, ed. John Behr, Oxford Early Christian Texts (Oxford:
Oxford University Press, 2023).

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق