الأربعاء، 12 ديسمبر 2018

ستعود بقوة أعظم- ق يوحنا ذهبي الفم



قراءة في كتاب ”ستعود بقوة أعظم“
بيانات الكتاب
عنوان الكتاب ”ستعود بقوة أعظم“
وهو عظة للقديس يوحنا ذهبي الفم عنوانها الأصلي: ”إلى ثيؤدور (أو تادرس) بعد سقوطه“
ترجمة أبونا تادرس يعقوب،
عدد الصفحات (30 فقط)

بعد قرائتي لهذا الكتيب الصغير، تخيلت الحوار الآتي مع أبي القديس:
المحاور (أنا عادل): أبي القديس يوحنا ذهبي الفم، شكرًا لسماحك لي بحلقة أخرى من الحوار. وهذه المرة عن كتاب ”ستعود بقوة أعظم“ أو خطاب ”إلى ثيؤدور بعد سقوطه“. مَنْ هو ثيؤدور، وما مناسبة هذا الخطاب؟
ذهبي الفم: صديق لنا وأخطأ.. لكنه عاد فعلاً بقوة، بل ورُسم قسًا ثم أسقفًا على موبسويستا.
المحاور: في كل الأحوال هو خطاب جميل مفعم بالرجاء، ولا أنسى أبدًا أنني منذ مراهقتي وأنا أحفظ جملة منه، ولم أكن أعلم أنها من خطاب لك بهذا العنوان.. هذه الجملة هي ”إن كان الشيطان لديه هذه القدرة في أن يطرحك أرضًا من العلو الشامخ- فكم بالأكثر جدًا يكون الله قادرًا أن يرفعك إلى الثقة السابقة“ (ص 6). هذه العبارة كانت تعطيني أمل بأن الله أقوى من إبليس.
ذهبي الفم: هذا صحيح أيها الابن المبارك عادل. قلت في الخطاب أنه ”ليست كثرة الخطايا هي التي تؤدي إلى اليأس بل عدم تقوى النفس“ (ص 6)
المحاور: نعم، بماذا شبهت قداستكم اليأس في هذا الخطاب؟
ذهبي الفم: بالنير الثقيل الذي يُربط في عنق النفس فيلزمها بالانحناء (ص 6).
المحاور: ماذا سنفعل حين تضربنا الضيقات التي لا حصر لها؟
ذهبي الفم: ”لا نكف عن التطلع إلى الله، ولا نمتنع عن الصلاة إليه“ (ص 7)
المحاور: ماذا يعني الرجاء بالنسبة لنا؟
ذهبي الفم: هو الحبل القوي المدلى من السماء ”يعين أرواحنا، رافعًا مَنْ يمسك به بثبات، فوق هذا العالم، وتجارب هذه الحياة الشريرة“، وإن تركنا هذا الحبل نسقط للحال في هوة الشر.
المحاور: اسمح لي يا أبي القديس، البعض يقتبس من هذا الخطاب بما يعني أن الله لا يغضب مطلقًا. فهل هذا صحيحًا؟
ذهبي الفم: أنا قلت أن غضب الله ليس انفعالاً.. بمعنى أن الله خالي من الانفعال، لكني لم أقل أنه خالٍ من الغضب أبدًا.
المحاور: كيف هذا يا أبي القديس؟
ذهبي الفم: غضب الله موجود ولا أحد ينكره؛ لكن الفارق أنه لا يغضب أو يعاقب ”انتقامًا لنفسه“ (ص 9)، كذلك قلت أيضًا أن الله ”يهددنا بالعقوبات، بل وقد يصبها علينا، ليس انتقامًا لنفسه بل كوسيلة لجذبنا إليه؟“ (ص 9)
المحاور: هل يمكن أن تعطينا أمثلة حتى نفهم أكثر؟
ذهبي الفم: بكل سرور. ضربت مثلاً: نبوخذ نصر، الذي أطال الله أناته عليه كثيرًا، لكنه في النهاية ”صب عليه العقاب.. ولم يكن هذا العقاب للانتقام منه عما سبق أن فعله، بل لأجل قطع أسباب الخطية المقبلة، وليمنع تماديه في الشر.“ (ص 10)
المحاور: إذا أنا فهمت أن الله لا ينفعل -لا يغضب لنفسه- لكنه بالتأكيد يعاقب. هل هذا صحيح؟
ذهبي الفم: نعم صحيح..
المحاور: سامحني يا أبي القديس مرة أخرى، البعض يقتبس أيضًا من هذه الرسالة فيما معناه أنه لا يوجد جهنم ولا نار ولن يلقي الله أي أحد في جهنم. فهل هذا ما قلته في هذا الخطاب.
ذهبي الفم: ماذا قرأت؟
المحاور: قرأت أنك كتبت أننا إذا ”رحلنا إلى العالم الآخر فلن تنفعنا أعمق توبة، حتى ولو صررنا على أسناننا وقرعنا صدورنا ونطقنا بكل عبارات الاستغاثة“ (ص 15)
ذهبي الفم: هذا صحيح، وكتبت أيضًا ”إن الرجاء لا يتبدد إلا في الهاوية، حيث يصير العلاج عديم الفائدة. أما هنا فمتى استخدمناه، ولو كنا مسنين (كبار في السن)، فإنه يجلب لنا قوة عظيمة“ (ص 15)
المحاور: هذا ينفي أي كلام عن مطهر أو فرص أخرى للتوبة بعد الموت.
ذهبي الفم: هذا هو رأيي!
المحاور: ماذا عن الجحيم والنار والدود؟
ذهبي الفم: ماذا قرأت؟
المحاور: قرأت عكس ما يدّعيه البعض. أنت قلت: ”عندما تسمع عن النار لا تظنها كنار العالم.“ لكنك قلت ما هو أصعب! لأنك تقول إن ”نار العالم تبيد ما اشتعلت به، لكن النار الثانية تحرق على الدوام.. ولا تكف عن ذلك لذلك دعيت لا تطفأ.“ (ص 17) حتى أنك قلت ”يا له من أمر مرعب!!“ (ص 17).
ذهبي الفم: وبالتالي ماذا تفهم؟
المحاور: واضح بشكل قاطع أنك لا تنكر هذه العذابات الشديدة، وأن طبيعتها ستكون أبشع من مثيلاتها على الأرض.. لأنها لن تتوقف ولن تنتهي.
ذهبي الفم: هذا رأيي.. لكن أحب أن أضيف شيئًا مهمًا.
المحاور: ما هو؟
ذهبي الفم: العقاب الأشد من الجحيم هو حرماننا من أمجاد العالم الآتي. و”أظن أن مَنْ يفشل في الحصول عليها ينبغي ألا يحزن بسبب ما يعانيه في جهنم بقدر ما يحزن على طرده من السماء. لأن هذا في ذاته أقسى عقوبة.“
المحاور. الله على الجمال.. لا تنكر العذابات الشديدة.. ولكنك تقول إن الحرمان من الأمجاد السماوية أشد وطأة. أشكرك يا أبي القديس. الآن فهمنا ما قلته والسياق الكامل له.. وأرجو أن يراجع إخوتي القراءة الانتقائية لبعض ما قلته.
ذهبي الفم: وأنا أتمنى هذا أيضًا.
المحاور: هم يمسكون فقط في عبارة قلتها قداستكم وهي: ”أن جهنم للشيطان وليست لنا، وأما نحن فقد أعد لنا الملكوت منذ زمن بعيد“ (ص 15)
ذهبي الفم: هي كذلك إن ثبتنا فيه.. أيها الحبيب.
المحاور: وإن لم نثبت؟
ذهبي الفم: الإجابة واضحة في بقية الكلام اللي قولناه..
المحاور: كذلك يمسكون فقط في عبارة قلتها قداستك وهي: ”لأنه لو كان الله قد خلقنا لكي يعاقبنا لكان يحق لك أن تيأس وأن تسأل (تتشكك) عن إمكانية خلاصك“ (ص 28)
ذهبي الفم: نعم هذا صحيح.. لكن المعنى المقصود أن الله خلقنا للحياة.. للتمتع بصلاحه.. لكن لم أقصد هنا أن هذا أيضًا ينطبق في حالة رفضنا لهذا التمتع.
المحاور: ماذا لو رفضنا التمتع بهذا الصلاح الإلهي؟
ذهبي الفم: الإجابة واضحة في بقية الكلام.
المحاور: لقد اتضح لي جيدًا أن البعض ينتقي ويقتبس خارج السياق.. أنا شخصيًا كنت أتمنى ألا يوجد نار ولا دود.. لكنك أكدت أنها أبشع من مثيلاتها على الأرض حتى وإن اختلفت طبيعتها. دعنا ننتقل إلى شيء آخر. كالعادة فاجأتني بفكرة جديدة.. لم أتوقع من قداستكم أن تفكروا فيها.
ذهبي الفم: وما هي؟
المحاور: أن الله لم يترك لنا حرية تشكيل أجسادنا. هل تعلم أن هناك أغنية هذه الأيام بتقول: ”مين فينا حدّد لون عينيه. ويوم ولادته و إسمه إيه“
ذهبي الفم (ضاحكًا): أغنية جميلة!
المحاور: ما الحكمة في ذلك؟
ذهبي الفم: لديّ 3 أسباب: 1- كنا سنصبح ”في قلق متزايد“، 2- كنا سنضيع أوقاتنا ”في أمور لا تنفع“، 3- كنا ”سنهمل الروح“ أكثر فأكثر. حبيبي، لا يصح أن ”نزين الجارية (الجسد) بزخارف لا حصر لها، تاركين سيدتها (النفس)“
المحاور: جميل! لكن لديّ نقطة أختلف فيها قليلاً مع قداستكم. فهل تسمح لي؟
ذهبي الفم: تفضّل.. بكل سرور.. ليس المطلوب أن تتفق معي في كل شيء..
المحاور: شكرًا.. أحيانًا ما أشعر أنك تحقّر من الجسد جدًا.. وأنا أتفهم أنك تريد أن تنبهنا لقصر وهشاشة وضعف وزوال هذا الجسد الفاني، وتنبهنا أكثر إلى الحياة الروحية.
ذهبي الفم: كلامك مظبوط.
المحاور: لكني قرأت لك في كتاب ”القصد من غموض النبوات“ عن إذا اشتهيت امرأة ”فلتنزع جلد وجهها- وسوف ترى الأصل الوضيع لجمالها“ (ص 32). لا أرتاح إلى هذه الفكرة وأشعر أنها قد تؤدي إلى المزيد من الشعور بالعدمية.. وقداستكم في كتابنا اليوم تقول: ”ما هو مصدر هذا الجمال الجسدي، إلا ما فيه من لعاب ودم وعصارة صفراء وطعام ممضوغ؟!“ (ص23). يا أبي القديس هذا يشبه قول أحد أصدقائي الأحباء بأننا ”أتينا من بين فتحتين“.
ذهبي الفم: أتفهم جيدًا ما تقوله يا عادل، لكن ما قلته حقيقة وواقع.. ونحن نتشابه في ذلك مع الحيوانات العجموات.. هذا من ناحية البيولوجيا كما تقولون. لكن إذا وقفت عند هذا الحد، يحق لك أن تتحفظ على كلامي. لكني لم أتوقف عند هذا الحد، لكني أضفت وأسهبت في الكلام عن جمال الروح وسموها. وقولت أن الروح جميلة لأنها ”مثل ملائكة الله“ (ص24).
المحاور: هذا صحيح.. وهنا نرى التوازن.. شكرًا لك يا أبي القديس.. أرجو أن تسمح لنا بأن نعاود اللقاء والحديث ثانيةً. 

الاثنين، 10 ديسمبر 2018

نشيد الأنشاد- العلامة أوريجانوس



عبارة عن ترجمة عظتين: الأولى والثانية من عظات العلامة أوريجانوس على سفر النشيد
عن الفرنسية وعن سلسلة (source chretiennes).
ترجمة: عايدة حنا بسطا
الكتاب إصدار كنيسة العدرا- محرم بك- إسكندرية
عدد الصفحات: 65 (من الحجم الصغير جدًا)

نوعان من التفسير:
في بداية العظتين بيشرح أوريجانوس أنه زي ما في قدس وقدس أقداس.. في أناشيد وفي نشيد الأناشيد. ثم يستعرض عدد من الأناشيد من الخروج من مصر (خر15: 1) حتى إشعيا 5: 1.. ثم يأتي نشيد الأنشاد كذروة الأناشيد.. بشكل عام سفر النشيد عند الآباء إما بيكون له 1- تفسير إكليسيولوجي (كنسي): يعني يبقى المسيح هو العريس والكنيسة هي العروس. والتفسير ده امتداد لتفسيرات رابينية كان بتشوف السفر على أنه علاقة يهوه بشعبه. أو 2- تفسير مستيكي أو صوفي: وهنا المسيح هو العريس والنفس البشرية هي العروس. في العظتين دول بتنقل أوريجانوس بين النوعين من التفسير. فمثلاً: في (ص 14) بيقول صراحة إن العريس هو المسيح والكنيسة هي العروس.. وفي شرحه لآية ”ليقبلني بقبلات فمه“ (1: 1) بيقول: ”إلى متى يرسل لي العريس قبلاته عن طريق موسى والأنبياء؟ فليأتِ إلي بذاته“ كإشارة للتجسد. ومثلاً عند دخول العروس إلى حجال الملك يقول: ”النفس التي تقدمت روحيًا تتمتع بحب العريس“، وهنا يبان التفسير المستكي.
وأحيانًا بيجمع الاثنين في نفس التفسير على نفس الآية: فعن عبارة ”أنا سوداء وجميلة“ (1: 5) وعن اجتماع الجمال والسود في آن واحد، يتحدث عن النفس التي تتطهر بالتوبة من سوادها (ده تفسير مستكي)، وبيذكر ملكة التيمن السوداء (اي الكنيسة) اللي جت من آخر الدنيا لتسمح حكمة سليمان الحقيقي (المسيح)، وده (تفسير كنسي). مرة أخرى عند تشبيه العريس للعروس بأنها فرس في مركبات فرعون.. يجمع بين التفسيرين في نفس العبارة تقريبًا ويقول: ”أنتِ أيتها العروس.. أنتِ أيتها النفس المكرسة فقتِ جميع النفوس التي لم يملك عليها ملك الكنيسة“ (ص 34).
القواعد التفسيرية عند أوريجانوس
في العظتين دول بيبان بعض القواعد اللي بيحطها أوريجانوس وبيني عليها تفسيره.. منها:
1-            في صفحة 17، بيقول: ”ينبغي أن نفهم كل أسرار النشيد روحيًا، فلا يليق بالله أن يكون هذا السفر خاليًا من الأسرار. على الإنسان الذي يستطيع أن يفهم الكتاب فهمًا روحيًا..“
2-        البحث عن كلمات متشابهة في نصوص أخرى: وطبَّق القاعدة دي على كلمة ”الظهيرة“ وبيقول ”لأن الكتاب المقدس لا يستعمل أي كلمة صدفة وبلا هدف“ (ص 32).
3-            النقطة الخطيرة اللي بتُظهر إفراط أوريجانوس في الرمزية هو كلامة عن آية ”اسمك دهن مهراق“ وبيربط مع قصة المرأة ساكبة الطيب وبيقول: ”لو تأملت جيدًا لوجدت أن الإنجليين لم يكتبوا قصصًا أو أحداثًا بل أسرارًا..“ يعني هو كده تقريبًا بيقول أن قصة ساكبة الطيب لم تحدث بشكل حرفي.. وبيفسر بعد كده إن الأبرص ده رئيس العالم، وبيته هو العالم، واللي امتلأ برائحة الطيب بمجيء المسيح إلى العالم. واضح هنا أن التاريخ لا يعني شيئًا بالنسبة إلى أوريجانوس ولا يهمه سوى الدلالة الرمزية له، إلى الحد الذي يمكن أن ينكر تاريخية الحدث تمامًا.. وهذا مبدأ في غاية الخطورة. وقد تأثر أوريجانوس هنا بالرمزية السكندرية، وفيلون السكندري كان كده برضو (no sense of history).. بالرغم أن الرمزية الرابينية الفلسطينية لم تهمل تاريخية النص أبدًا.
4-             في نوع آخر من التفسير ممكن نسميه تفسير فيزيقي أو طبيعي.. بيتأمل في الظبي (الغزال) والإيائل وبيقول إن الغزال يتميز بحدة الإبصار، والأيائل تتميز بأنها قاتلة للحيات.. والصفتين اجتمعا في المخلص المسيح. هذه الطريقة في التفسير موجودة أيضًا عن فيلون السكندري وواحد تاني اسمه ارستيدس (المنحول) وكانوا بيفسروا مثلا الشرائع الخاصة بالأكلات الشرعية والمحرمة.. وكانوا بيشفوا الخنزير مثلاً ويفسروا أنه محرم لأنه بيعبر عن رذيلة معينة.. والحيوانات مشقوقة الظلف مثلاً تعتبر شرعية لأنها بتعبر عن فضيلة معينة هي التمييز والإفراز مثلاً.
على هامش الكتاب:
عجبني كلامه عن نوعين من الحب: جسداني وهو من إبليس، وروحاني وهو من الله.. ”ولا يستطيع الإنسان أن يعيش في كلا الحبين“ (ص 18). ويوقل ”إن عاطفة الحب تزدهر عندما نحب الحكمة والحق. ولكن إن انحرف الحب فإننا نحب اللحم والدم“ (ص 35). وفي كلامه عن آية ”مريضة حبًا“ يقول: ”اكشف نفسك وقدم نفسك للسهم المختار.. السهم في غاية الجمال؛ لأن راميه هو الله.“، ويقول أيضًا ”طوبى لمن جرحه السهم الإلهي“ (ص54).       

الأحد، 25 نوفمبر 2018

قراءة في كتاب ”سر الفداء“



بيانات الكتاب
سر الفداء حسب الإنجيل والآباء
للمطران باسليوس أسقف بروكسل وبلجيكا للروس الأرثوذكس
مقال صغيرة ترجمها د. نصحي عبد الشهيد وعلق عليها
إصدار بيت التكريس
عدد الصفحات (40 فقط)

يؤكد الكاتب أن سر الفداء يفوق الفهم ويفوق التعبير.. يعني سيظل عقلنا قاصر على استيعابه بالكامل.. وبيقول إن النظرة القضائية هي محاولة عقلانية لتصور عمل المسيح الخلاصي.. (نقظة مهمة هنا.. لاحظت بعض المراجع بتفصل بين نظرية أنسلم وبتسميها الاستيفاء Satisfaction theory، عن نظرية البدلية العقابية Penal Substitution، لكن من الواضح أن في تقاطع ما بينهم، بدليل أن الكاتب ودكتور نصحي بيعتبرهم شيء واحد. أحد المراجع دي مثلاً كتاب اسمه (The Cross and Salvation doctrine) لواحد اسمه (Bruce Demarest) سنتعرض له في هذه التدوينة.
نيجي لتعليقات د. نصحي على النظرة العقابية كالآتي:
1-              أنها زي ما قولنا محاولة عقلانية لشرح سر يفوق الأفهام
2-            نظرية من جانب واحد فقط .. يعني مش بتضح حب الله في الحسبان، ومتأثرة بثقافة الإقطاع.
3-              بتظهر كأت في صراع بين عدل الله ورحمته.
4-              بتصور الصليب أداة عقاب وتعذيب وليس أداة غلبة ونصرة.
5-              بتهمل دور القيامة في خلاصنا.
6-              بتشوف التبرير بمعنى البراءة القانونية (وليس بمعنى إصلاح العلاقة بين الله والإنسان)
7-              بتشوف أن القوة المحركة للفداء هي حل مشكلة عدل الله وكرامته وليس محبة الله بالأساس.
8-              تركز على عدل الله الآب.. لكن المفروض انه يكون عدل الثالوث كله.
9-              بتصور إن الله الآب غاضب ويهدأ بالدماء والذبائح.
أهم تعليق لدكتور نصحي هو الآتي (ص 11): "من الخطأ أن نعتبر المفهوم القضائي للفداء مفهوم خاطئ كلية" طب إيه مشكلته "أنه مفهوم ناقص ويتضمن عناصر غريبة عن الكتاب المقدس والتسليم الرسولي". وبالتالي ده بيأكد فكرة أني ممكن آخد بعض العناصر الصحيحة من البدلية العقابية.. ما يؤكد هذا تحليلي لرأي أحد الدارسين البروستانت نفسهم وكيف يفهمون هذه النظرية فيما يلي:
شرح أحد الدارسين البروستانت للبدلية العقابية
بروس ديمارست[1] بيشرح نظرية أنسلم كالمعتاد بأن الخطية جرحت  أو أهانت كرامة الله.. وأن ذبيحة الصليب بتعمل نوع من استفياء العدل الإلهي. لكن ديمارست بيشرح نظرية البدلية العقابية بشكل مستقل ومختلف.. وكل اللي بيقوله عنها، ودي نقطة مهمة: أن الخطية بتنتهك القانون الإلهي وليس كرامة الله، مما أدى إلى عقوبة الموت العادلة. لكن المسيح كبديل أو كنائب عنا (من هنا جت التسمية البدلية) بحياته الكاملة أكمل الناموس، وبموته تحمل العقوبة العادلة لخطايانا إحنا. بطريقة اخري، على الصليب أخذ المسيح مكاننا وتحمل العقوبة التي تستحقها خطايانا، وبالتالي وفىّ مطالب العدل الإلهي للناموس، وبالتالي ألغى حالة الغضب واللعنة اللي كانت علينا بسبب خطايانا.
بين قوسين ممكن نجيب آيات من الكتاب المقدس بتقول بوضوح إننا كنا في حالة غضب:
-       رومية 1: 8 "لأن غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ، الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْمِ"
-       رومية 4: 5 "لأن النَّامُوسَ يُنْشِئُ غَضَبًا، إِذْ حَيْثُ لَيْسَ نَامُوسٌ لَيْسَ أَيْضًا تَعَدٍّ"
-       رومية 5: 19 "فبالأوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُتَبَرِّرُونَ الآنَ بِدَمِهِ نَخْلُصُ بِهِ مِنَ الْغَضَبِ"!
بروس ديمارست بيجيب اقتباسات آبائية يخدم بيها كلامه عن البدلية العقابية كالتالي: من الرسالة إلى ديوجينتوس:
”أظهر (الآب) طول أناة عظيمة جدًا واحتملنا.. بذل ابنه الوحيد كفدية لأجلنا، القدوس من أجل العصاة، والذي بلا لوم من أجل الأشرار، والبار من أجل الآثمة، وغير الفاسد من أجل غير الفاسدين، وغير المائت من أجل المائتين. فأي شيء آخر كان يمكن تبريرنا نحن الأشرار وعديمي التقوى إلا بشخص ابن الله الوحيد؟ ما أجمل هذه المبادلة!“[2] هذه المبادلة هي سبب التسمية بالبدلية.
ثم يستشهد بأقوال آبائية أخرى تؤكد فكرة هذه المبادلة.. لاحظ أن الكلام مختلف في نظرية الاستيفاء لأنسلم. هنا بيأكد على محبة الله وطول أناته ومحبته بدل التركيز في نظرية أنسلم على كرامة الله. لو جينا لنقطة العقوبة سنجد أن بروس ديماريست بيستشهد بكيرلس الأورشليمي هذه المرة..
” لأننا كنا أعداء لله بسبب الخطية، وكان الله قد حكم بموت الخاطئ. لذلك كان أمرٌ من اثنين ضروريًا، إما أن الله في حقه يهلك كل البشر، أو في عطفه ومحبته يبطل الحكم. لكن انظر حكمة الله: لقد صان حقه في الحكم، وأظهر عطفه ومحبته. أخذ يسوع خطايانا "في جسده على الخشبه" لكيما بعد أن نموت عن الخطية بموته نحيا للبر“[3]
هنا نرى العنصر الثاني في النظرية وهو العقوبة أو الحكم.. ودي نتيجة مباشرة لخطية الإنسان وتعديه على الوصية.. عايز تعتبرها نتيجة طبيعية للخطية.. ماشي .. في النهاية في عقوبة. بيستشهد ديمارست بأقوال أخرى للقديس اثناسيوس وغيره..
تعليق ختامي:
الشيء اللي نخرج بيه من التدوينة دي.. أن قبل ما تزعل من أخوك لأنه بيعتقد في البدلية العقابية اسأله الأول ماذا يعني بالبدلية العقابية.. لأن عنصر المبادلة وعنصر العقوبة (الحكم) في حد ذاتهما لا يمكن أننا نتغاضى عنهما.. لأنهم واضحين في عشرات الآيات الكتابية ومئات الاقتباسات الآبائية.. لكن لو الكلام عن كرامة الله المجروحة وكأن المشكلة عند ربنا مش عندنا.. يبقى نرفض الفكرة دي.
عمل الصليب والفداء عمل يفوق الأفهام.. ولا يقتصر على النظرية الشفائية فقط.. اللي كلنا بنحبها ومقتنعين بيها وكانت النوتة الموسيقية السائدة عند الآباء الشرقيين والسكندريين بالأخص.. وإن كان الغربيون قالوا برضه بالنظرية الشفائية.. انظر ماذا يقول أغسطينوس في شرحه لرسالة يوحنا الأولى:[4]


وبالتالي حتى الغربيين لم يتكلموا عن النظرة القضائية فقط.. ما أجمل المقطع السابق من أغسطينوس عن الحب الذي يشفي ويجمِّل.. وبالتالي ليس النظرة الشفائية فقط.. ولا القضائية فقط.. تفسر كل جوانب عمل الفداء.. التخيير بين إمَّا / أو (either/ or) مش صح في أمور عقائدية كبيرة ومتسعة. ثانيًا: واضح أن في خلط بين نظرية أنسلم والبدلية العقابية.. حتى وإن كان في مساحة مشتركة بينهم. لكني قادر أني أخد عناصر جيدة من البدلية العقابية ومش قادر أخد عناصر جيدة من نظرية أنسلم.. لا نقول أبدًا في هذا الفهم لما أسميه انا (mild form) من البدلية العقابية.. لا أقول أبدًا أن الآب يصب جام غضبه على الابن أو يعاقب الابن أو يتلذذ بتعذبيه بشكل سادي، أو ان الابن مدان بأي شيء.. أو حتى أن الآب يهدأ بالذبائح.. كل هذه الأفكار أرفضها تمامًا.. فبلاش نعمل من الافكار الخاطئة دي فزاعة لرفض العناصر الجيدة في النظرية.. وكما قال د. نصحي مشكلة النظرية أنها بتركز على جانب واحد وأنها ناقصة. ولكنها ليست خاطئة بشكل كامل.





[1] Bruce Demarest, The Cross and Salvation, Cross Way Books, p. 147- 202.
[2]  الرسالة إلى ديوجنيتوس، ترجمة بولين تدري، مراجعة د نصحي عبد الشهيد، ص 25.
[3]  ق كيرلس الأورشليمي، العظات (لطالبي العماد)، سلسلة اقدم النصوص المسيحية، العظة 13، صفحة 237.
[4]  أغسطينوس، شرح رسالة يوحنا الاولى، الخوري يوحنا الحلو، دار المشرق، صفحة 147.

السبت، 17 نوفمبر 2018

الرمزية التيبولوجية والتاريخ- جان دانيلو






الفصل العاشر من كتاب (The Lord of History)[1] للبروفسور جان دانيالو الأستاذ الجامعي بالجامعة الكاثوليكية بباريس.. هذا الفصل في منتهى الأهمية؛ إذ يتكلم عن أن الرموز تحتل أهمية في  التفكير الديني والحياة الدينية. المشكلة اليوم أن الناس تظن أن الرموز تناسب الشعر أكثر من المعرفة العلمية التي تعتمد على الحقائق. يرى جان دانيلو أن اللغة الرمزية في الفكر الديني لا تحسب كمرحلة غير متطورة من الفكر الإنساني بل على العكس هي نوعية صحيحة من التفكير الديني.

من بداية سفر التكوين وقوة روح الله الخلاقة بترفرف على شكل طائر.. وبيقول يمكن ده اللي خلى العهد الجديد ينزل الروح القدس على شكل حمامة.. كإعلان عن باكورة الخليقة الجديدة!! وفي سفر الرؤيا مفيش شمس لأن الحمل هو نورها.. ومفيش بحر لأن البحر رمز لمملكة الموت ومسكن للتنين.. نفس الشيء في الليتورجيا، وفي طقس المعمودية، الذي يستدعي رمزية الماء. بدراسة الثقافات وجدوا رموزًا مشتركة مثل الشمس كرمز للقوة الخلاقة. كذلك ربط المياه بالموت اعتقاد شرقي قديم.. وربط المياه بالدمار مرتبط بالأديان البابلية. 

دراسة الأديان المقارنة فسرت ده كنوع من التأثير المتبادل، لكن كان الشرح الأفضل هو افتراض وجود "تقليد بدائي موحد".. لم يُحفظ بشكل كامل. وكان في فرضية تانية أدق أن وجود مجموعة مشتركة من الرموز هي دليل على وجود توازي في العمليات العقلية البشرية. ومن خلال جهود واحد اسمه "مريتشا إلياده" جمّع بعض الأفكار المشتركة لبعض الرموز.مثل: السما (السمو الإلهي)، الماء (الموت او الخصوبة)، القمر (الموت والحياة)، وهكذا. من ناحية أخرى بيستشهد بعالم النفس كارل يونج الذي قال إن الرموز هي سمة من السمات النفسية للإنسان. وهي محاولة للعقل البشري في استخلاص المعنى المعقول داخل الواقع المادي حوله. فهي أي الرموز ليست شيئًا على هوى الشخص.

هناك حقيقة موضوعية في الرمزية الدينية مؤسسة على طبيعة الأشياء نفسها. لكن عقولنا تفرط في البحث في العلاقات السببية فقط. الرمزية تهدف إلى اكتشاف التماثلات بين العالم المرئي وغير المرئي.. فهي طريقة أصلية لفهم الإلهيات.
هذه الرمزية الدينية عبارة عن إعلان عن الله من خلال المخلوقات.. (القوة في الأعاصير- الوفرة في المطر، الثبات في النجوم). هذا ما يسمى بالإعلان الطبيعي، الذي انحرفت عن فهمه ما يُسمى بعبادة الطبيعة. كان المفروض يوصلوا لنوع من المعرفة عن الله من خلال الطبيعة لكنهم انحرفوا إلى عبادة الخليقة، وتحول الأمر إلى وثنية.  
في تشابهات بين الأصحاحات الأولى في سفر التكوين والأساطير البابلية والكنعانية.. لكن قصة التكوين كُتبت لتبطل الفهم الميثولوجي وتنسبه مرة أخرى لله.. يعني لتصحيح مسار منحرف.. لكن الهدف المحدد من سفر التكوين هو أنه يشهد لأعمال الله في التاريخ.. وده تحول كبير جدًا في الفكر الديني عمومًا.. لأنه بيقول مش بس ربنا بيُستعلن من خلال انتظام الدورات الكونية.. لكن من خلال أحداث تاريخية مفردة بتعتمد على بعضها البعض.. ومن ثم أصبح معنى الخلق نفسه مختلف.. وأصبح حدث أولاني في سلسلة متجانسة من الأعمال الإلهية في مسار التاريخ.
من خلال تكشُّف خطة الله، ظهرت تماثلات بين أحداث معينة.. يعني الطوفان والمعمودية والدينونة الأخيرة.. أصبح ليها نمط واحد.. في كل حالة بمستويات مختلفة، في دينونة إلهية لعالم شرير، وفي رحمة إلهية يُستبقى بسببها الإنسان ليكون بداية لخليقة جديدة.
وبذلك نشأ نوعية جديدة من الرمزية شكلت سمة أساسية للكتاب المقدس.. الفارق الأساسي فيها هو التاريخية.. (100 خط تحت الكلمة دي).. ليه؟ لأنها بتشير إلى العلاقة بين أحداث مختلفة تنتمي للتاريخ المقدس. دي اسمها الرمزية التيبولوجية. مثلاً: آدم رمز للمسيح (رو 5: 14)، المعمودية تحقيق لرمز هو الطوفان (1بط 3: 21). بالنسبة لتفسير الكتاب المقدس.. المعنى المجازي مؤسس على الوحدة البنائية لخطة الله.. نفس السمات الإلهية بتُستعلن من خلال طبقات متتابعة من التاريخ.. والتفسير التيبولوجي للأحداث لا يتجاهل ولا يطمس بأي درجة هذه الأحداث من حيث وجودها المتفرد الخاص.. وإنما يوفر إطار مرجعية لتناسقها الملموس. وهو أساس الدفاعيات، لأن الرمز التيبولوجي له صفة نبوية، وبالتالي يمكن أن يشكل دليلاً على صحة ديانتنا.
يحدث خلط بين الرمزية التيبولوجية ورمزيات تانية (هنتكلم عنها) .. لكن مثلما يؤكد توما الأكويني: الرمز التيبولوجي مرتبط بمعنى التاريخ.. وأنها اسخاتولوجية بطبعها.. ليها علاقة بالأيام الأخيرة.. والمسيح بتجسده افتتح هذه الأيام الأخيرة وإن كانت ستصل إلى كمالها في المجيء الثاني.
وبالتالي فإن الرمزية التيبولوجية هي جزء أساسي وأصيل في العقيدة المسيحية.. والرسل وكتبة العهد الجديد استخدموها.. وفي التفاسير الآبائية الصحيحة.. لكن هذا الاستخدام الرمزي، أو بالأحرى النوع التاريخي للرمزية، يختلف اختلافا جذريًا عن الرمزية الاستعارية (الأليجورية) التي استخدمها فيلون وبعض آباء الكنيسة (أوريجانوس وتليمذه النجيب غريغوريوس النيسي).. لأن الأليجورية هي انتكاسة لرمزية الديانات الطبيعة لأنها تخلو من العنصر التاريخي.
المهم أن جان دانيلو بيقول إن إعلان الله في التاريخ لا يتعارض مع العالم الطبيعي للخليقة المنظورة. مفيش تعارض، وإنما طور متقدم من خطة الله. لأن اليهودية أو المسيحية لا تلغي إعلان الله من خلال الطبيعة. وبيقول إن الخطر الأكبر هو قراءة النص الكتابي والبحث عن رمزية تخلو من العنصر التاريخي، ودي الأليجورية الخاصة بفيلون السكندري، وتبقى رمزية زي رمزية الديانات الطبيعية. وبكده تكون انتكاسة وخطوة إلى الوراء.

في النهاية بيقول: لابد لرمزية الطبيعة أن تتجاوز الأسطورة، والرمزية التاريخية لابد أن تتجاوز الرمزية الطبيعية (وده إحدى تطبيقات الإعلان المتدرج)؛ لأن الله عُرف أولاً من خلال الطبيعة، ثم أعلن ذاته من خلال أحداث تاريخية متتابعة.



[1] Jean Danielou, The Lord of History, part 1, ch. 10, p. 83-92.